أنهى تصويت «شعبوي» بريطاني، علاقة بريطانيا بالاتِّحاد الأوروبي، وبينما يعيد الساسة في بريطانيا قراءة «سفر الخروج من أوروبا؛ نزولاً على إرادة شعبيَّة، احتفلت نادمةً بتصويتها، تبدي أوروبا تجهُّمًا بحقِّ الأسد البريطاني العجوز، فتطالبه بالخروج سريعًا، وحمل كلِّ متعلِّقاته معه، مشيرةً إلى أنَّ باب التراجع قد أُوصد بوجه البريطانيين، الذين أداروا ظهورهم لأوروبا عند منعطف حاسم.

ما فعله البريطانيون، وبدا كما لو أنَّهم ندموا عليه، فعله أمريكيون، فاجأوا الدنيا بانتخاب دونالد ترامب، القادم من بساتين المال، إلى حقول السياسة، ما إن فاز ترامب، حتَّى دخلت أمريكا في صراع، ربما لم تعرفه مؤسَّساتها في نصف القرن الأخير كله.

أوروبا التي شدَّدت ألمانيا قبضتها الماليَّة عليها، إثر أزمات ماليَّة عصفت ببعض دولها (اليونان، والبرتغال، مثلاً) أصبحت بعد خروج بريطانيا، أكثر عنادًا، وأكثر شعورًا بالوحدة، فيما تستعيد روسيا ذاكرة التدحرج فوق الجوار الأوروبي الهش، أمَّا الولايات المتحدة، التي يقودها ترامب بحسابات جديدة تمامًا إلى وجهات جديدة تمامًا، فينذر التغيير فيها بتغيير قواعد اللعبة الدوليَّة كلها.

دونالد ترامب، رجل المال الذي وضعته المقادير في موضع قيادة النظام الدولي، في واحدة من أصعب لحظاته، يتحدَّث عن استعادة عظمة أمريكا مجددًا، بعدما بدَّدها سلفه أوباما -حسب اعتقاده- لكنَّه كرجل مال يبدو مشغولاً بتحميل العالم فاتورة قيادة أمريكا له إلى حيث تريد أمريكا، وليس إلى حيث يريد العالم.

لا يبدو ترامب راضيًا عن الناتو، ولا ساخطًا على روسيا، كما اعتادت أمريكا منذ نهاية الحرب العالميَّة الثانية، ما يثير مخاوف الأوروبيين من احتمالات مواجهة حالة انكشاف أمني في مواجهة الروس دون مظلَّة أمريكيَّة اعتادوا عليها على مدى أكثر من سبعين عامًا.

ترامب يريد من أوروبا أن تُسدِّد إيجار المظلَّة الأمريكيَّة، ويحثّ حلفاء واشنطن حول العالم على تسديد فاتورة هذا التحالف، وتحمُّل نصيبهم من الأعباء الماليَّة فيه.

ترامب يريد أيضًا الدخول في حرب ضد الإسلاميين المتطرِّفين، ومَن يدعمونهم، هكذا قال في حملته الرئاسيَّة، وهكذا تحدَّث مستشاره القادم للأمن القومي مارك فلين، ووزير دفاعه القادم ماتيس، لكن تحديد ما ومن هو المقصود بالإسلام المتطرِّف؟ ومن يدعمونه، ما زال رهن الصياغة، دون تحديد دقيق للعدو الذي يعنيه دونالد ترامب وفريقه؟

كمراقب، تابع انتخابات الرئاسة الأمريكيَّة على مدى ما يقرب من أربعين عامًا (عام انتخاب كارتر)، فإنَّني بالخبرة، وبالحدس السياسيّ، لا أرى إمكانيَّة انسحاب أمريكا إلى عالمها القديم خلف مياه المحيطين الأطلسي والهادئ، وأتصوَّر أن رؤية ترامب الانتخابيَّة، قد تتراجع أمام رؤى راسخة ومستقرَّة للمؤسَّسة الأمريكيَّة.

وأنَّ العالم الذي يخشى تغييرًا عميقًا في السياسة الأمريكيَّة، يهزُّ قواعد استقرَّت في العلاقات الدوليَّة على مدى أكثر من نصف قرن، سوف يستريح قبل انقضاء عامين من رئاسة ترامب.

ترامب يقول: إنَّه جاء لتغيير أمريكا والعالم، لكن أغلب الظن أنَّه سيتكيَّف مع حقائق فرضتها السياسة الأمريكيَّة على العلاقات الدوليَّة، دون أن يستطيع تغيير أيٍّ منها.

على مدى تاريخها، أثبتت المؤسَّسة الأمريكيَّة قدرتها على قولبة رؤساء الولايات المتحدة، مهما بدت قوتهم، ومهما عظم تأثيرهم، ولا أظن أنَّ بوسع ترامب أن يهزم المؤسَّسة الأمريكيَّة، أو حتَّى أن يربح بعض الجولات معها.

الذين احتفلوا في الشرق الأوسط بفوز ترامب، فعل بعضهم ذلك بدافع الشماتة في هيلاري كلينتون التي حمَّلها البعض مسؤوليَّة ما جرى ويجري في دول ما يُسمَّى بالربيع العربي، فيما احتفى سواهم بفوز ترامب باعتبار أنَّه الرجل الذي سيلغي الاتفاق النووي مع إيران.

الشماتة في هيلاري كلينتون، قد تمنح البعض شعورًا بالارتياح، لكنَّها لا تجعل المنطقة أكثر أمنًا، وكذلك فإن تصوُّر البعض أنَّ التراجع عن الاتفاق النووي مع طهران، يمكن أن يجعل المنطقة أكثر أمنًا، هو تصوُّر غير دقيق، فما يثير قلق المنطقة ليس نووي طهران، وإنما دور طهران، والمطلوب هو محاصرة الدور وإجباره على التراجع، وليس محاصرة برنامج نووي أصبح -عملاً- تحت حصار الزمن بموجب اتفاق لم ترضَ عنه دول المنطقة.

ترامب ليس رئيسًا حملته الصدفة إلى البيت الأبيض، فقد خطط وأنفق من أجل الفوز بالمقعد الرئاسي الكبير، كما أن جماهير -مهما كانت أسبابها- قد اختارته بكلِّ ما رفع من شعارات، بدت غريبة على أمريكا في الألفيَّة الثالثة.

لكن أكثر المتضرِّرين المحتملين من سياساته التي لم يُجرِّبها العالم بعد، هم هؤلاء الذين لا يقوى جهاز المناعة الذاتيَّة لديهم على مواجهة المفاجآت.

مَن يصمدون في عام ترامب الأول سيُغيِّرون -من مقاعدهم- بوصلة السياسة الأمريكيَّة، أمَّا مَن يتركون أنفسهم في مهب الصدفة، فسوف تحملهم المصادفات غالبًا إلى حيث يخشون.