* لو جمعت كل قصص محاولات إدخال السينما في السعودية منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الأسبوع الماضي لخرجت حتماً بأطول سيناريو لفيلم في تاريخ السينما وأكثرها غرابة ! ..ولو جمعت كل ما كتب حول هذا ( الموضوع / المعضلة ) من قبل المؤيدين والمعارضين لخرجت أيضاً بأطول (مرافعة) قضائية في التاريخ ! .. نقاشات مستنزفة ، وحوارات (طرشاء) منذ أكثر من نصف قرن ، وما زال ( فيلمنا) الركيك ومعاركنا العبثية مستمرة حول قضية تجاوزها العالم كله - عدا أفغانستان - منذ زمن بعيد ، وكان يمكن لنا تجاوزها أيضاً وبنفس السهولة لو أننا قدمنا المصلحة العامة ، وأعملنا عقولنا ،وتحاورنا بالمنطق بعيداً عن التعصب والتمسك بالرأي والدخول في النوايا .

* العجيب والطريف في فيلمنا الطويل والسخيف ، أن الخلاف القائم منذ ستين عاماً لم يكن خلافاً على المحتوى السينمائي في يوم من الأيام ، ولا حتى على نوعية الأفلام وهويتها وما تقدمه من أيديولوجيا ، فبإمكان أي شخص في السعودية اليوم مشاهدة أحدث أفلام السينما العالمية حتى قبل عرضها في بلدانها بكل سهولة وحرية ، سواء من خلال الإنترنت أو عبر شاشات التلفزيون التي أصبحت أكثر من الهم على القلب ! .. لكن القضية شكلية في المقام الأول ، فالخلاف يدور حول ( دُور) السينما نفسها ، أي أماكن العرض ، التي يحمل البعض عنها صورة ذهنية سيئة ، ويرى أنها - وعلى اعتبار ما سيكون - ستكون مكاناً جاذباً لممارسات غير مرغوبة ، متناسياً أن لكل بلد ضوابطه وخصوصيته التي تنبع من عقيدته وعاداته وتقاليده والتي يستطيع تطبيقها بكل سهولة .

* فيلم ( السينما ) ليس هو الفيلم السعودي الوحيد الذي يشغلنا بلا طائل منذ فترات طويلة ، فثمة الكثير من القضايا التي استنزفت جهودنا لسنوات طوال ، وزادت من عمق الشُّقة بين شرائح مجتمعنا دون حل ناجع ، وعلى رأسها قضية قيادة المرأة للسيارة ، التي تشكل هي الأخرى فيلماً عبثياً لا يقلُّ طولاً ، ولا ميلودرامية عن فيلم ( السينما في السعودية ) ،لذا فإنه يخيل اليّ أحيانا أننا مستمتعون جداً بهذه الأفلام الرديئة ، ولا نريد إنهاء هذه السيناريوهات المملة من الجدل البيزنطي .. ربما لأننا أدمنّا مشاهدة هذه الأفلام ، للحد الذي لا نريد معه انتهاء عرضها.!

* القضايا الجدلية التي لا تقوم آراء أطرافها على نص صريح ، لاتُحل بالتقادم .. بل تحتاج الى قرار يضع الأمور في نصابها الصحيح ، ويكسر هذه الحلقات المفرغة والسنوات الطويلة من الجدل العبثي العقيم.