عادة تركناها في العقود الأربعة الماضية ونسيانها، وأبدلناها بعادة الاستهلاك والاستدانة لدعم الاستهلاك، وسهَّلت لنا الطرق من خلال الأموال البلاستيكية وغيرها، فالبنوك تفتح أبوابها لالتقاط الراغبين في التوسُّع، وننسى أننا بالصرف من كروت الائتمان أو من القروض نستهلك جزءًا من دخلنا المستقبلي، أو القضاء على مداخراتنا. والملاحظ أن مع تقدُّم الوقت نمر بمشكلات أكبر، فنحن جزء من الحضارة الحديثة والرفاهية التي نرغب فيها، نثقل على أنفسنا وعلى دخلنا المستقبلي، وننسى أن الدين همٌّ بالليل والنهار. وحتى نخرج من النفق الضيّق، وخاصة في الأيام المقبلة، لا بد لنا من وقفة مع أنفسنا، وننظر في إنفاقنا، ونحاول تغيير نمطه بإلغاء مختلف البنود التي تصب في البذخ وغير اللازمة لنا، ونعود للأسس. وبعد تحجيم الصرف وتخفيضه نبدأ في التفكير في كيفية خفض المديونية وجدولتها، وأخيرًا نبدأ في التخطيط لكيفية الادخار والوعاء الاستثماري المستهدف لتنمية المدخرات أو ما وفّرنا. من المهم أن ندرك أنه لا بد لنا من التوفير مهما كان حجمه، لأنها مسألة تعود علينا بالنفع، وتدريب النفس ضروريًا، ولكن نحتاج حتى نصل لهذه المرحلة أن نُرشِّد ونُوجِّه إنفاقنا، ومن ثم جدولة ديوننا حتى لا يكون هناك تداخل في مختلف البنود، ونفشل في تحقيق الهدف والغاية التي ننشدها.

أفضل أوقات الادخار والتوفير عندما تكون الأمور كلها مريحة، ولا توجد ضغوط اقتصادية، حيث يساعدنا توفر المدخرات والاستثمارات في اختصار وخفض الضغوط التي نعايشها في الظروف والأوقات العصيبة، مما يجعلها أقل تأثيرًا. ويجب أن نحذر أن نصرف أكثر من دخلنا، لأنه إنفاق لدخلنا المستقبلي، وبالتالي نضع أنفسنا في زاوية ضيقة.

ولعله من المهم أن نلتفت للجيل القادم، ونبدأ في تثقيفه وتعليمه اقتصاديات الادخار والاستثمار حتى يتعوَّد ويحصد فوائدها. كما يعتبر مهمًا تعليمه وتدريبه كيف يُخطِّط لإنفاقه، ويُحدِّد أولوياته حتى لا يتعوَّد على أنماط تُسبِّب له مشكلات مستقبلية. أولادنا أمانة في أعناقنا، تستلزم منّا رعاية وتعليم وكيفية تحمل المسؤولية، وأنه من الواجب إشراكهم في القرار علي حسب مستواهم الفكري، وكما نُعلِّمهم سيُطبِّقون ذلك مستقبلاً، مما يجعل أمورهم أكثر يسرًا وسهولة. القضية برمتها من إنفاق وادخار واستثمار هو سلوك ينشأ عليه الإنسان، ويتطبَّع به، لذلك يجدي معه التدريب والممارسة والتعلُّم، ويستطيع الفرد أن يتأقلم معه ويُمارسه فِي المجتمع بمختلف مكوناته.