وصلتُ مدينة القاهرة لأجدَ أنَّ الحياة لونها أبيض.. النَّاس يعيشون، ويسهرون، ويناقشون معك تعويم سعر الجنيه المصري، وغيرها من القضايا الحياتيَّة المعيشيَّة التي يدَّعي الجميع أنَّه صاحب رأي خاص بها.

آه.. نسيتُ أقول لكم إنَّ مصرَ كلَّها نكتة وفرح؛ لدرجة أنَّك تتصوَّر أنَّ الناس يخبِّئون الفرح في صدورهم، وفي جيوب دقائقهم المليئة بالكدح والعناء.. كنتُ أراقبُ العمَّال في الصباح وهم يكنسون شوارع القاهرة كلَّها، ويضعون الزبالة في أكياس، ثم يرحلون.. يضحكون.. وينكِّتون معك كلَّما التقيتَ بهم، كأنَّهم يذكِّرونك في كل لحظة أنَّك في مصر.. بعبارة كل سنة وأنت طيب.. فسكان مصر كلّ أيامهم أعياد.

في جانب آخر كل ذلك الإحساس بالفرح الذي يمكن أن يحتل أكبر مساحة من نفسك، يبرز دائمًا عندما تقف على ظهر قارب، ينقلك في مياه النيل مع المصريين، عندها تشعر أنَّك ذرَّة من ذرَّات الكون، وأنَّك بشر مهما رحت أو جئت، وأنَّ هذه الدنيا أقوى من أن تفكر في مواجهتها.. كانت لحظة تسليم وليست لحظة استسلام وأنا أتأمَّل وجوه المصريين في القارب.. لكن سأحكي لكم عن «الست نورة» التي تدير فندق نوران في الدقي، تسكن في أحد أجنحة الفندق.. الجناح صغير لكنَّ جدرانه مكتظَّة بصور تحكي مسيرة السيدة السبعينيَّة، التي تعمل وتشرف بنفسها على إدارة الفندق، الكنب الكلاس، والمدفأة الحجريَّة يصطلي بداخلها الحطب مشتعلاً، والكرسي الهزاز الذي تجلس عليه يتقدَّمه مكتب عليه أوراق مبعثرة لإدارة الفندق..

هربت بتفكيري بعيدًا، حيث تخيَّلت تلك الأوراق، وتلك الأحلام تتطاير، كما تطايرت أحلام كثيرة لدى معظم أبناء بلدي في رحلتهم الشاقَّة والمرهقة نحو امتلاك بيت من نظام الإسكان الجديد. حتَّى لو كان بحجم هذا الجناح الأثير لدى السيدة نورة الذي يحمل تاريخها وحاضرها معًا، لكنني عدت من خيالاتي تلك بسؤال لا أبحث عن إجابته.. بل ألجأ إليه هروبًا من ذلك الانكسار النفسي الذي داهمني فجأة (هوَّ فعلاً في نظام إسكان جديد)؟!