في ديسمبر الماضي، حين أدرتُ الندوةَ العلميَّة، التي أقامها نادي

جدَّة الأدبيّ الثقافيّ، بمناسبة اليوم العالميّ للغة العربيَّة، بمقره بحي الكورنيش بجدَّة، لفت نظري زحام شديد للسيَّارات خارج مقر النادي وداخله، وصخب كبير، وموسيقى تزعج الأذن.

ولمَّا سألتُ عن هذا الزحام، والصخب، والموسيقى، والبيع والشراء، وتكدُّس السيارات؟ قِيل لي: إنَّ فرع جمعيَّة الثقافة والفنون بجدَّة لديه فعاليَّة متزامنة تمامًا مع فعاليَّة النادي الأدبي في الليلة نفسها، والوقت نفسه! قابلتُ بعدها رئيس النادي، وبعض أعضاء مجلس الإدارة، وسألتهم: ألم تنتهِ المدَّة المتَّفق عليها بين النادي والجمعيَّة لاستخدام الجمعيَّة مبنى النادي القديم مقرًّا لها لمدَّة خمس سنوات؟ فأجابوني: بـ»نعم»، ولكنَّالخلاف قائم بين النادي والجمعيَّة؛ لأن الجمعيَّة مُصرَّة على البقاء في مبنى النادي القديم، رغم انقضاء المدَّة المتَّفق عليها، ثمَّ تابعتُ ما نُشر حول هذه القضيَّة من أخبار، وتحقيقات، ومقالات صحفيَّة عدَّة، ما بين آراء مؤيِّدة لخروج الجمعيَّة من المبنى، والبحث عن مقر آخر، وأخرى ترى شرعيَّة أنْ تبقى الجمعيَّة في ذلك المبنى؛ لأنَّها والنادي تتبعان لوزارة واحدة، ولأنَّ المبنيين هدية من تجَّار جدَّة، والأرض المقامة عليها المنشأتان هبة من أمانة جدَّة، لذا أرتأيتُ أنْ أدلي بدلوي في هذه القضيَّة على مسافة واحدة من الطَّرفين لأقول بدايةً: إنَّ رئيسَ نادي جدَّة الأدبيّ -السابق- الزميل الدكتور عبدالمحسن القحطاني مكَّن الجمعيَّة من الإفادة من المبنى القديم لمدَّة خمس سنوات؛ إسهامًا من النادي في حلٍّ مؤقتٍ لمشكلة عدم وجود مقرٍّ لها في ذلك الوقت، وأتاح لها فرصة كافية، أو أكثر من كافية لتوفر مبنى مملوكًا لها عن طريق استقطاب التبرُّعات، أو إقناع أحد تجَّار جدَّة الكبار بالتمويل الكامل، أو استئجار مبنى مناسب على أقل تقدير، وذلك موقف يُحسب للدكتور القحطاني، ولا يُحسب عليه، فهو لم يتنازل للجمعيَّة من المبنى، وعليه كان ينبغي أن تسعى الجمعيَّة جادَّةً خلال هذه المدَّة الطويلة أنْ تجدَ لها مقرًّا مناسبًا بإحدى الطرق التي أشرتُ إليها، وإنْ كان هناك عقدٌ، أو اتِّفاقٌ بينها وبين النادي لهذه المدَّة، فالعقدُشريعةُ المتعاقدين، والمؤمنون عند شروطهم، وأزعمُ، أنَّ وجود مقرٍّ مستقلٍ للجمعيَّة سيعطيها، ويعطي جمهورها الكثير من الاستقلاليَّة والرحابة، وليس صحيحًا أنَّ جمهور النادي والجمعيَّة جمهورٌ واحدٌ، والدليل ما يحصل من صخبٍ وفوضى وازدحامٍ وإشكاليَّاتٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى عندما تكون هناك فعاليَّتان في وقت واحد، كما مثَّلتُ له بوضوحٍ، وليس صحيحًا -أيضًا- ما ذكره بعضُ الكُتَّاب من ضعف الإقبال على فعاليَّات النادي، مقابل الإقبال الشديد على فعاليَّات الجمعيَّة، ذلك أنَّهم بنوا حكمهم على الفعاليَّات المنبريَّة، وهي جانب واحد من أنشطة النادي العديدة التي تشمل الأنشطة المنبريَّة، وغير المنبريَّة، ويعرفها الجميع، ويحتاج النادي لمبنى آخر لهذه الأنشطة.. أمَّا قلة أعداد الحاضرين في الفعاليَّات المنبريَّة للنادي، فذلك أمرٌ مفهومٌ ومعروفٌ ومشاهدٌ في الأندية الأخرى في المملكة، وجميع المنتديات الأدبيَّة والثقافيَّة، والإقبال الجماهيريّ على الفعاليَّات الفنيَّة والرياضيَّة يفوق الإقبال على الأنشطة الثقافيَّة والأدبيَّة بكثير، كما يجب التنويه إلى أنَّ المبنى القديم للنادي يمكن الإفادة منه في إقامة المعارض، أو أن يكون صالةً إضافيَّةً في المؤتمرات والندوات الكبيرة، DoubleSession ، ناهيكم عن جعله قاعةً للجمهور النسائي في كلِّ الفعاليَّات بدل جعل الأخوات يجلسن في زاوية قاعة حسن شربتلي، ووضع قاطع بينهنَّ وبينَ الحضور منالرجال، وقبل ذلك كلِّه المبنى القديم تابع للنادي الذي يملك التصرُّف فيه.

إنَّ وجودَ منشأتين لجهتين مختلفتين داخل سور واحد،يسبِّبُ إشكاليَّاتٍ كبيرةً، وتضاربًا غير محمود في إقامة الفعاليَّات والنشاطات، وليت جمعيَّة الفنون تجد لها مقرًّا مستقلاً، ليكون ذلك في صالحها، وصالح نادي جدَّة الأدبي الثقافي مع الاحترام الشديد للنادي والجمعيَّة.