أصبح المجتمعُ السعوديُّ -اليوم- شغوفًا إلى حدِّ الهوس بمواقع التَّواصل الاجتماعيَّ، التي أصبحت تشكِّل الرأي العامَّ، وتؤثِّر فيه بطريقةٍ مخيفةٍ وعجيبةٍ، ويالهول ما سمعناه، وتداولته هذه المواقع، عندما تُقلب الحقائق، وتُشوَّه الصورة، ويتمّ تناقل الأخبار بلا تثبُّت، ولا أدلةٍ ولا براهينَ، حتَّى تنتشرَ المقاطع انتشارَ النارِ في الهشيم. الألمُ يعتصرُ قلبي، وأنا أكتبُ كلماتي هذه، عندما أصبحنا نشارك في قتل القيم، وانتهاك حرمة التَّعليم وأهله بهذه الطريقة، والتي تدمِّر كيانَ المجتمع التربوي والقيمي والأخلاقي، وباسم كلِّ المعلِّمين والمعلِّمات في وطني أطالبُ بردِّ اعتبار المعلِّمة القديرة زهوة العتيق من إدارة تعليم حائل، ولإدارة التعليم، وللوزارة، وكلِّ منسوبيها من قِبل القناة التلفزيونيَّة الأكثر متابعةً في بيوتنا، ومن خلال برنامج الإعلاميّ داوود الشريان الذي تطاول على التَّعليم وأهله، ووصف مدارسنا بأنَّها فاشلة، وسجون، ولا تليق، وفي ذلك تحريض واضح وصريح على بيئات التَّعليم، وادَّعى أنَّ الطالبة التي احتفل بها في برنامجه ناجحة، وهي ليست كذلك، وهذا قَلْبٌ للحقائق، ولا يمتُّ للمهنيَّة الإعلاميَّة بصِلَةٍ، ويعتمد على الإثارة، والأمور الجدليَّة، وهل يعلم داوود حجم الضرر الذي أوقعه على المعلِّمة المشهود لها بالكفاءة المهنيَّة العالية، وأنَّها معلَّمة قديرة تخرَّج على يديها أجيالٌ وأجيالٌ. رحماك ربّي من ظلم واقع على أهل العلم والتَّعليم، كفانا تقليلاً من هيبة المعلِّم وقدره.

إنَّ قضية هذه الطالبة التي تطاولت فيها والدتها على المعلِّمة بشكلٍ لا يليق، مازالت قائمة في إدارة تعليم حائل، وشكِّلت اللجان لدراسة حالتها، وهي طالبة أخفقت في اتقان بعض المهارات، ولم تستجب أسرتها لمعالجة هذا الإخفاق! فأيُّ عقلٍ يقولُ أن نساوي المجتهد والحريص على تلقي العلم، بمن لا يعمل على اكتسابه! بل ويتطاول على المعلِّمين، ويشكِّك في نزاهتهم؟

من بديهات الأمور بأنَّ هناك ناجحًا، وآخر راسبًا، هكذا تعلَّمنا، بل تفوَّقنا بالمنافسة على المركز الأول، ولم نكن نرضى إلاَّ بأنْ يُكرَّم المتفوِّق، ويُشار له بالبنان، وهذا أمر تقوم عليه حضارات البشر في كل مكان.

المتفوِّقون والمتميِّزون والموهوبون هم عدَّة الأوطان، أمَّا المتخاذلون المقصِّرون لابدَّ أنْ يعوا أنَّهم كذلك، ولا نكذب على أنفسنا، ولا نحطم قدرات وإنجازات المتفوقين، بمساواتهم بمن هم دونهم؛ حتَّى لا نفقدهم، وتختل القيم في عقولهم طالما أنَّ المتفوِّقَ والمخفقَ -في نظر المجتمع والإعلام- سواء، وهذا أمر غير مقبول لا عقلاً ولا منطقًا.