التسوُّلُ آفةٌ عالميَّةٌ -بلا شكٍّ- لكنَّه لدينا يتَّخذُ طابعًا عجائبيًّا، يثيرُ من الضحك أكثرَ أشكاله نواحًا وحسرةً. فهو لدينا تجارةٌ رابحةٌ، في ظلِّ ثقافة مهووسة بالربح السريع السهل، ربح الحسنات والأجر، دون أيِّ تفكير في أبعاد هذه الظاهرة، أو في كلِّ الجهود التي تُبذل لمكافحة عصابات التسوُّل، وما يتعلَّق بها من جرائم إنسانيَّة، وظواهر اجتماعيَّة هدَّامة. وكأنَّ هذا الأجرَ ليسَ مردَّهُ الشَّارع نفسه، الذي يستنكرُ السؤال، والخمول، والعيش عالةً على الآخرين. ألم يقل نبيُّنا عليه أفضلُ الصلوات وأزكى التسليم: (َما يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ).

أعلم أنَّه لا قهر أنكى من قهر الحاجة، ولا ألمَ أشدّ من ألم التسوُّل.. وأيّ حرج أصعب من الذلَّة.. أعلمُ ذلكَ يقينًا.. وأشعرُ بالأسى والمرارة، وقصص المحتاجين وصورهم تجرح العين قبل القلب، في مجتمع الخير والرفاه.

لكنِّي أخشى أنَّ ظاهرةَ التسوُّل -بتنوُّع أشكالها وطرقها- قدْ تحوَّلت إلى ثقافةٍ يستمرئها المجتمعُ باسم الخير، والمساعدة، والمشي في حاجات النَّاس، وغيرها من القِيَم السامية، التي تُوظِّف خطأً دون وعي بما تخلفه من عواقب.

لذلك لا أجدُ مُبرِّرًا لجحافلِ المنتظرين، وطوابير السائلين، الذين يقفون على أبواب الأعيان والموسرين، في مشهدٍ أضحى مألوفًا لدينا -للأسف-. وعليه لا بدَّ من رجم السؤال كحجر في مياهنا التي تدَّعي الركود:

كيف يحدث هذا في مملكة الإنسانيَّة التي يطال خيرها العالمَ بأسرِهِ؟!

لنْ أُوجِّهَ الاستنكارَ هنا لأصحابِ الحاجاتِ، لن أُوجِّهَهُ لامرأةٍ أُغلقتْ أمامها أبوابُ الحياةِ، ولا لرجلٍ ضاقَ به الجَيبُ عن شراءِ (الجِيبِ)، فاكتفى بـ(موترٍ كورية!)، لكنِّي سأتَّجهُ باللَّومِ إلى أولئكَ الذين تستهويهم الطوابير، وتنفخهم قصائد المتكسِّبين، وخُطَب المحتاجين في فِللهم ومخيَّماتهم الفارهة.

أعتقدُ أنَّ جهاتنا المعنيَّة مسؤولةٌ عن القضاء على هذه الظاهرة، التي تنقل صورة مُشوَّهة عن إنسان هذا الوطن، ليس فقط بتتبُّع حاجات المواطنين الحقيقيَّة، والسعي لحلِّ مشكلاتِ الفقر والبطالة، بمشروعاتٍ وطنيَّةٍ ممنهجةٍ، بل أيضًا بردع أصحاب الفِلَل من استقبال الجموع، والمزايدة على آلامهم وحاجاتهم. هي ظاهرة تحتاج جهاتنا المسؤولة أنْ تقتلعها من جذورها، وهي قادرة على ذلك متى كانت الإرادة، ومتى وُجدت الرغبة.

يحتاج أن يدركَ المواطنُ السعوديُّ، قبلَ أنْ يدركَ العالمُ أجمع، أنَّ هذا بلدُ الخير، نعم.. لكنَّه أيضًا بلدُ العمل، والكفاح، والمسؤوليَّة. يحتاج أنْ يدركَ الجميعُ أنَّ واجبات المواطنة الحقَّة هي الطريق لحصد الحقوق، لا بوابات الفِلل الفاخرة، ولا قصائد النِّفاق، أو خُطَب التسوَّل والمهانة!