كلَّما شاهدتُ مسلسلاً، أو فيلمًا تدور أحداثه في مستشفى، أو

يتعرَّض أبطاله لحادث ما، يسرعون على إثره لأقرب مستشفى، يبهرني مشهد الوصول إلى باب الطوارئ: تقف العربة، أو سيارة الإسعاف عند الباب، فينطلق المسعفون من الداخل يستقبلون الحالة القادمة في همَّة وقلق.

الممرضون يفتحون السرير، ويحملون عليه المريض. طاقم الأطباء يتسارعون ليحوِّطوا السرير، ويسألوا عن ملخص الحالة شفهيًّا، وهم يهرولون في الطرقات، وما أن يستقرَّ المريض في الداخل حتَّى يتولَّى كلُّ فردٍ مهمَّته: فذاك يشبك الأجهزة، وتلك تقيس الضغط، وغيرها يغرز الإبر، وآخر يضع السائل، وكلّهم يتبادلون المعلومات، وتشخيص الحالة، وخطَّة العمل بسرعة وجديَّة.

لا يستدعي الأمر في تلك الدرامات الطبيَّة أن تكون الحالة خطيرة، بل يكفي أن تكون الحالة ولادة طبيعيَّة، لا متعسِّرة لأيِّ امرأةٍ، أو جراح لطفل عبث بزجاج مكسور، أو ارتطام رأس رجل بحجر أثناء سقوطه على الأرض. كلُّ الحالات تلقى نفس المستوى من الاهتمام، والهرولة، والحشد الطبيّ إلى أن تستقر. لا أحدَ يسأل عن اسم المريض، ولا عمَّن يرافقه، ولا عن طريقة دفع التكاليف حتَّى تمرَّ الأزمةُ، فالإسعاف السريع يأتي أولاً.

لك أن ترى أيَّ حلقةمن مسلسل غرفة الطوارئ ( ER)، مثلاً، لتعرف هذا الشعور الانبهاريالذي يملؤك بالاطمئنان؛ ظنًّا منك أن ستلقى هذه الرعاية الفائقة إن تعرَّضتَ -لا قدَّر اللهُ تعالى- لمثل هذا الظرف في يوم من الأيام. تتخيَّل أنَّ أقسام الطوارئ هي دائمًا، وفي كلِّ مكان على هذا الشكل التمثيلي المثالي: فضاءات واسعة ونظيفة، فرق طبيَّة مؤهَّلة تقف على أهبة الاستعداد لمهمَّة الإنقاذ، سُررٌ وفيرةٌ في غرفٍ نظيفةٍ، منفصلةٍ، ومهيَّأةٍ بالكامل، إدارة طبيَّة كلُّ همِّها صحَّتك وحياتك وعافيتك.

الصدمة ستكون قاسية، حين تهرع إلى قسم الطوارئ ذات يوم، وتعرف أنَّك الوحيد الذي تهرع، بينما القسم ومَن فيه يسير ببطء شديد إنْ تحرَّك. لا أحدَ يجري بك سوى مَن يرافقك، ثم يتركك عند أقرب حائط ليتولَّى مهامَّ التسجيل، والدفع المسبق، ثمَّ يدفع بك إلى طوابير الانتظار لدخول غرفة الفرز والتصنيف، حيث تقوم ممرضة بقياس العلامات الحيويَّة، ثمَّ يعود بك إلى طوابير الانتظار. ستُفاجأ بضيق المكان، ونقص الأسرَّة، وقلَّة الكادر الطبي المتخصِّص، خاصَّةً لو كانتالحالة من نوع النزيف الداخلي، أو الأزمات القلبيَّة، أو ارتجاجات المخ، وخاصَّة لو أنَّك وصلت الطوارئ في إجازة نهاية الأسبوع، أو خلال الساعات المتأخِّرة من الليل.

نظام فرز الحالات وتصنيفهافكرةٌ جيِّدةٌ، إلاَّ أنَّها بطيئة، وتستلزم الانتظار، وبعض العلامات التي تحدِّد مدى خطورة الحالة لا تظهر من خلال هذا الفحص الأوَّلي، لذا قد يُدخلونك قبل غيرك، وقد يتركونك تنتظر دورك حسب التسجيل. في الداخل، وبعد مرور وقت طويل، يكتشفون خطورة الحالة، ثمَّ يعلمونك بأنَّ الحالة حرجة، وتستلزم دخول العناية المركَّزة، فترتبك وتقول: «طبعًا.. هيَّا بنا»! ويكاد مرافقك، من فرط خوفه، أن يدفع بالسرير الذي سوف يبقى في مكانه إلى حين الدفع الآخر، وهذه المرَّة سيشكِّل الدفع معضلةً كُبرَى، ليس فقط لأنَّ المبلغَ كبيرٌ، وفوق طاقتك، ولكن لأنَّهم يطلبونه منك كاملاً وفورًا. من أين ستأتي لهم بمبلغ ستين، أو ثمانين ألف ريال في منتصف الليل؟

الطوارئ كلمة توحي بأنَّ كلَّ شيءٍ يسيرُ على عجل، وبأنَّ الوقتَ هو العاملُ السحريُّ للإنقاذ والمعالجة، وأنَّ العناية الفوريَّة إن تأخَّرت فقد تهدِّد الحياة، ولكن أقسام الطوارئ لا تتناغم مع هذا الإيقاع الضروري، وكأنَّها لا تتوقَّع إلاَّ حالات أعراض البرد والجروح الطفيفة، فلا استنفار، ولا استعجال، ولا استشعار لكارثيَّة الحالات الحرجة.