هل صحيح أن تنصيب «ترامب» رئيسًا للولايات المتحدة يُعدُّ بمثابة لحظة فزع ونذير شؤم كما يُشيع بعض المحللين في الصحف الأمريكية؟!

منذ اللحظة الأولى التي أطل فيها الرئيس (ترامب) من على منصة الخطاب وهو متجهِّم، أدركتُ أن هناك شيئًا «ما» قد حدث وعكَّر صفوه، ووقف حائلًا دونه ودون أن يبتسم في أجمل أمسية مرّت عليه في حياته، فعمَّا قليل سيظهر النائب العام ليُؤدِّي أمامه القسم، ومن ثم يُعلنه رئيسًا للولايات المتحدة، وفيما بعد علمنا أن أحداث الشغب التي ترافقت مع الاحتفال هي التي كانت السبب في اختفاء فرحته، حيث قام عشرات الآلاف من المعارضين له بأعمال شغب، تجمعوا في الشوارع الغربية من مبنى الكونغرس، حطموا خلالها واجهات المحلات التجارية وزجاج عدد من السيارات، وتم تفريقهم باستخدام رذاذ الفلفل من قبل الشرطة.

لم يكن الاحتجاج قاصرًا على الأفراد العاديين من الشعب الأمريكي، حتى الأدباء كانوا رافعين راية الاعتراض على تعيينه، عبر قراءات شعر ونثر أمام المكتبات العامة، ورفعوا لوحة كتبوا عليها (الكُتَّاب يُقاومون معًا بصوتٍ عالٍ) ولا يعتبرونه رئيسًا شرعيًا بسبب تدخل روسيا في الانتخابات، كما تظاهر آلاف النساء معارضات توليه الرئاسة لموقفه المعادي لهن.

وفي أول خطاب له، لم يراعِ الرئيس ترامب وجود رؤساء أمريكا السابقين مثل: جورج بوش الابن، وجيمي كارتر، وبيل كلينتون، وأوباما، حيث انتقد سياساتهم وحمّلهم أسباب تحوُّل المصانع إلى قبور، وانتقد السياسة التعليمية في المدارس، وانعدام الأمن في البلاد. ومن ثم قام في أول قرار يتخذه بإلغاء النظام الصحي (أوباما كير) والذي ينقسم الجمهوريون أنفسهم في الكونغرس حول كيفية تعويض الإصلاح المهم في التأمين الصحي، إضافة إلى أن الكثير من القضايا المهمة، مثل الهجرة، والإصلاح الضريبي، والتأمين الصحي التي وعد بتفكيكها تتعارض مع الجمهوريين، كما قام بإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ومن ثم وقَّع قرارًا تنفيذيًا يقضي بالانسحاب رسميًا من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي، مما يُعدُّ بداية ثورة مضادة على التجارة الحرة، ويؤكد ذلك التناقض، ما ذهبت إليه صحيفة (ليبراسيون) الفرنسية التي وصفت (ترامب) بأنه رجل خارج شبكة التوقع وغير قابل للتخمين.

هذه التخبطات السياسية، أو لِنَقُل الخطابية، لنكون أكثر تدقيقًا، جعلت الدول الأوروبية تعيد حساباتها وتنظر إلى مصالحها وإلى أمنها بالدرجة الأولى، إذ يرى قادتها أن الرئيس الأمريكي الجديد بدا وكأنه غير مُرحِّب بالوحدة الأوروبية، إذ يعترض ويتحفظ على اتفاقيات وأنظمة دولية وتحالفية، كما يشعرون بأنه ليس متحمسًا لمظلة عسكرية لا غنى لهم عنها، ويرون أنه بات من المتوجب عليهم أن يتصرفوا إستراتيجيًا وعسكريًا باستقلالية أكثر من أي وقت مضى، حتى لا يجدوا أنفسهم يوما مكشوفين بلا غطاء.

عمومًا العالم كله يترقب عما إذا كان سيُنفِّذ (ترامب) كل وعوده وعهوده التي قطعها لناخبيه أم لا، وخصوصًا نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة. وإن غدًا لناظره قريب.