من يزور المدينة المنورة هذه الأيَّام، وسبق له زيارتها قبل عقدين من الزمن، يلمس ما يشهده المسجد النبويِّ اليوم مِن سِعة تتناسب والأعداد المليونيَّة لقاصديه. فمن إبداع عمراني يتناسب مع قدسيَّة المكان؛ وما تمَّ إنجازه في بيت الله الحرام في مكَّة المكرَّمة، يُسجَّل في صحائف الملوك وخدَّام الحرمين الشريفين.

فِي تقدير صديق ياباني يتردّد على الحرمين منذ أن أشهر إسلامه قبل خمسة وخمسين عامًا، أنَّ ما تمَّ إنجازه من توسُّع يضاهي في جماله الهندسي والعمراني ما هو قائم من المعابد وبيوت الله في مدن العالم كافَّة، وإنَّهما من أهم عوامل تنشيط السياحة الدينيَّة التي يتمنَّى تحقيقها كلُّ مسلم على وجه الأرض، يُشاركهم في الأماني أهالي الحرمين الذين كان الحجُّ والعمرة والزيارة مصدر رزق آبائهم وأجدادهم منذ بعثة رسولنا الكريم، ومن بعد، مُهاجرًا إليها من مكَّة المكرَّمة، فكانت أوّل عاصمة للإسلام في العالم، ولذا، للمدينة المنوَّرة دَينٌ في عنق كلِّ مسلم؛ وعلى الأخص أهالي هذه المدينة، ومَن يُدير أمورها من مسؤولي جهاتنا الرسمية، لتصبح أكمل وأجمل مدينة في العالم. وفِي مقدَّمة ما يتمنَّاه كل مسلم؛ إحياء تراث المدينة المنوَّرة العلمي والثقافي لتكون المركز العلمي الأوَّل على مستوى العالم الإسلامي، يقصد معاهدها وجامعاتها طلبة العلم في علوم العصر كافَّة من بلدان العالم الإسلامي. ومع تقديره لما هو قائم حاليًّا من جامعات في المدينة المنوَّرة، فإنَّها لا ترقى إلى تطلُّعاته. ويأمل أن تكون في مدينة الرسول الكريم جامعات تضاهي جامعات العالم، يُختار للتدريس فيها كبار الأساتذة في العديد من جامعات العالم، ويضيف بأنَّ هذا النوع من الجامعات العالميَّة سيستقطب عشرات الألوف من الطلبة من غير السعودييِّن ويكون مصدر دخل لا يستهان به، أسوة بحال جامعات منتشرة في الولايات المتَّحدة يزيد فيها عدد الطلبة عن عدد سكَّانها، لتكون مصدر رزق لأهل تلك المدن وبابًا للتعارف والتقارب بين الأمم. ولكونه من عشَّاق الصلاة في مسجد قباء بعد الصلاة في المسجد النبوي الشريف، فقد لفت نظره مجمع قصور قريب من المسجد انتقل من شيَّده إلى الرفيق الأعلى قبل سنوات -(قصر صاحب السموِّ الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز وملحقاته، تخليدا لذكراه –يرحمه الله- فقد كان سموه من محبِّي مدينة الرسول، ويتردَّد على الزيارة كلَّما وجد متَّسعًا من الوقت، وتكون زيارته فرجًا لآلاف المحتاجين للمساعدة الماديَّة لتدبير أمور معيشتهم).

لم يعد هذا المجمع اليوم آهلًا بالسكَّان. وقد يصلح مقرًّا لجامعة تُدرِّس العلوم العسكريَّة، بحيث يُختار للتدريس فيها كبار المختصِّين على مستوى العالم، فتكون أداة جذب لجامعات عالميَّة متخصَّصة في علوم العصر ومتطلَّباته، ويتم التمويل من الملتحقين بها للدراسة، ومن وقف يُقدِّمه أهل البرِّ والإحسان من داخل المملكة وخارجها.