* لا توجد دولة في العالم لا تتحدث عن تطوير نظمها التعليمية، هذا هاجس يشغل كل دول ومجتمعات العالم تقريباً .. محاولات وتجارب التطوير لا تكاد تتوقف ، قليل منها ينجح ويؤتي أكله ، والأغلبية تبوء بالفشل الذريع ، وتصبح مجرد هدر مالي يزيد من وجع الفشل ويعمّق التخلف ! . كثيرون تحدثوا عن أسباب النجاح وتوسعوا فيها .. لكنني اليوم سأحدثكم عن أهم (خمسة ) أسباب لفشل تجارب تطوير التعليم ، هذه الأسباب - ومن خلال متابعة شخصية - تكاد تكون سمة مشتركة بين كل الأنظمة التعليمية الفاشلة أينما كانت ، ومهما كانت درجة إنفاقها .. ونظراً لضيق المساحة فسأطرحها على شكل أسئلة ، وستكون الاجابات من واقع تجربة التعليم الفنلندي ، بوصفه النظام التعليمي الأفضل والأكمل في العالم اليوم .

( 1- هل يعد احترام التعليم جزءاً من الهوية المجتمعية ؟! )

* هذا هو أول الأسئلة ، وأكثرها أهمية ، فالمجتمعات التي يُشكّل احترام التعليم والمعلم جزءاً أساسياً وأولياً من ثقافتها ومن عقلها الجمعي هي أكثر المجتمعات نجاحاً في التطوير ، كونه - وأعني المجتمع - يقدر دور المعلم في النهضة ، و لا يشكل عائقاً أمام عمليات التحسين المستمر ، بل يدفعها للمزيد من النجاحات .عندما سُئل وزير التعليم الفنلندي السابق ( بار ستنباك) ، عن سبب القفزة التعليمية الهائلة في بلاده قال « إنها باختصار نتاج 150 سنة من ترسيخ احترام المعلم ؛ ومهنة التعليم في نفوس المجتمع .. المجتمع هو من ساعدنا على تطوير تعليمنا بشكل أكبر وأسرع «.

(2- هل يتم اختيار المعلمين بعناية كافية ؟ )

* إنشاء قاعدة عريضة من المعلمين المخلصين ذوي الموهبة والدافعية والحماس والكفاءة ، أحد أهم أسلحة معركة التطوير في أي دولة ، الأمر ليس سهلاً كما قد يعتقد البعض ، بل يحتاج الى خطط طويلة الأجل في التأهيل والتدريب والاختيار ، وقبل ذلك الى نزاهة وأمانة وإيمان بالهدف ، فالقضية ليست مجرد إشغال وظائف ، فلا يكفي في فنلندا أن تكون حاصلاً على (البكالوريوس ) كي تصبح معلماً ، الحد الأدنى لممارسة المهنة هناك هو( الماجستير) وتجاوز الكثير من الاختبارات المهنية والنفسية الصعبة ،علماً بأنه كلما ازدادت درجتك العلمية ( دكتوراه مثلاً ) كلما كنت مؤهلاً للعمل في الصفوف الأولية، والحصول بالتالي على راتب أكبر ، مع ملاحظة أنه لا يتم قبول أكثر من 10 % فقط من المتقدمين لشغل هذه الوظيفة ! .

(3- أيهما أهم في نظامك التعليمي الكم أم الكيف ؟ )

* بحسب الإجابة الأمينة على هذا السؤال تكون جودة المناهج ، وملاءمتها لروح العصر ، وقدرتها على تحقيق الأهداف المنشودة .. النظم التعليمية الأكثر تطوراً اليوم هي تلك التي تصنع العقول القادرة على البحث، لا التي تحشو عقول طلابها بالغث والسمين .. ومع غزارة التدفق المعلوماتي وتعدد مصادر المعلومات وتجدّدها باتت القضية قضية قدرة على البحث عن المعلومة الصحيحة وتطويرها .. ولعل من أهم مميزات التعليم الفنلندي تركيزه الكبير على العمق في المضمون التعليمي، وليس على كم المناهج والدروس ، فالطلاب هناك يدرسون 4 ساعات يومياً فقط ، مقابل ساعة للراحة والترفيه وتناول بعض الوجبات الخفيفة، ورغم قصر اليوم الدراسي الا أنه لا يوجد واجبات منزلية، ولا أعباء مسائية ترهق الطلاب ،فالهدف كما قلنا هو الكيف النوعي وليس الكم .

وللحديث بقية ..