لا شك أن قيمة (العدل) تعد من أهم القيم الإنسانية التي حثت عليها كل الأديان السماوية، وجعلتها الركن الثابت والمتين لتسيير وتنظيم معاملات الحياة بين أفراد البشر، وبها وعليها ترتقي حضارة الأمم، وبدونها يحل الخراب والفساد والدمار. لذا نجد أن ديننا الحنيف أكد على أهميتها، وجعلها في مقدمة الأولويات لأوامره التشريعية، حيث ورد الأمر بقيمة العدل في كتاب الله في ثمانٍ وأربعين آية، نكتفي بذكر بعضها لعدم كفاية هذه المساحة ومن ذلك قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بـِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وفيما يخص العدل بين الناس قال تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وقوله تعالى (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) وقوله تعالى (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) وفي جانب الحكم قال تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) وفيما يخص العدل في القول قال تعالى (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) وفيما يخص العدل في الكتابة والإملاء والإشهاد في المعاملات المالية قال تعالى (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) وفيما يخص العدل في الشهادة بين الناس ولو على النفس أو الوالدين والأقربين قال تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله).

وبعد عرض تلك الآيات الكريمات يتضح لنا مدى أهمية قيمة العدل في تسيير أمور الحياة التي لا يمكن لها أن تستقيم إلا بوجودها في كل مسرب من مسارب الحياة، وبإسقاط تلك المضامين على الواقع العربي على وجه الخصوص نجد أن هنالك الكثير من المخالفات المجتمعية الرسمية وغير الرسمية حول مدى الالتزام بها مما ترتب عليه تنامي الكثير من الحالات الفسادية المالية والإدارية والأخلاقية التي نراها كل يوم تنخر جسد الوطن العربي الكبير وتبطئ من مسيرته الحضارية مما يؤكد حجم المخالفات لتلك الأوامر الربانية لأمة كان يستوجب منها أن تكون أكثر الأمم التزامًا في تطبيقها لكن للأسف الشديد أن هذه القيمة العظيمة قد أهمل تطبيقها في معظم المجتمعات العربية في مقابل تطبيقها في أبلغ صورها في المجتمعات الغربية التي ننظر إليها على أنها أمم كافرة فاجرة وأصبح من المؤسف والمحزن أن أغلب الدراسات العلمية التي طبقت لمعرفة مدى تطبيق

هذه القيمة في المجتمعات العالمية وضعت المجتمعات العربية في ذيل القائمة من حيث حجم التطبيق لها ولعل هذا يدعونا الى ربط ذلك وتفسيره بالكثير من حالات التشرذم والتخلف الذي تعيشه المجتمعات العربية وهي التي كان يفترض أن تكون القدوة والنبراس في الالتزام بتطبيقها انطلاقًا من تلك التوجيهات الربانية التي تضمنتها الكثير من آيات العدل في كتاب الله سبحانه، والكثير من التعليمات النبوية التي حثت على قيمة العدل في كل مسرب من مسارب الحياة، والله من وراء القصد.