إنّ من أهم خصائص العقوبة في الشريعة الإسلامية، وفي القوانين الوضعية أن تكون شخصية، أي لا تتعدى من صدرت بحقه انطلاقًا من قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وِزر أُخرى)، إلّا أنّ عقوبة السجن تمتد إلى أسرة السجين، أي تعتبر عقوبة متعدية تُؤثِّر على الأبرياء، فعندما يودع شخص ما في السجن إن ارتكب جريمة ما، فغيابه، وانقطاعه عن عمله سيُؤثِّر على أسرته، خاصة إن كان معيلها الوحيد، إضافة إلى نظرة المحيطين بأسرته إليها، وانتقاص مكانتها الاجتماعية، فالأثر الاجتماعي والاقتصادي يعكس تأثيرًا نفسيًا عليه وعلى أسرته، كما تؤثر على توفر فرص العمل للسجين بعد خروجه من السجن، بسبب صحيفة السوابق ودورها في إحباط السجناء بعد قضاء محكومياتهم، قد تؤدي بهم إلى ارتكاب جرائم أكبر لإغلاق أبواب العمل الشريف أمامهم، وعندئذٍ لا يُحقِّق السجن هدفه في الإصلاح والتهذيب، بل يؤدي إلى تحويل السجين إلى مجرم مُتعدِّد الجرائم، إضافة إلى اكتظاظ السجون بما يفوق طاقاتها الاستيعابية، وتكلفة خزائن الدول أموالًا طائلة، فمعدل تكلفة السجين في السعودية خمسمئة ريال يوميًا.

والذي أقترحه أن تكون عقوبات السجن للمجرمين العنيفين والخطرين، والمتكررة جرائمهم، أمّا الذين جرائمهم صغيرة ارتكبها أصحابها لأول مرة، وعقوباتها قصيرة الأجل، أو كانوا معسرين، ولم يتمكنوا من سداد ديونهم، أو كبارًا في السن، أو أحداثًا، أو مرضى، أو نساء حوامل، أو لديهن أطفال لا يوجد من يرعاهن سواهن، أو يكن معيلات لأسرهن، بأن يُعاقبوا بعقوبات بديلة عن السجن.

هذا وللفقه الإسلامي سبق في العقوبات البديلة، من ذلك: قول الإمام ابن تيمية: «فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة».. (السياسة الشرعية: ص 120)، ويروى عن «سحنون (ت 854ه) قاضي القيروان أنّه أخذ غلمانًا مردًا بطّالين يُفسدون بالدراهم، فوضع في أرجلهم القيد، وحبسهم عند آبائهم مقيّدين.

وهناك جانب مهم لفت الانتباه إليه الإمام ابن القيّم، بمقولة ينبغي أن تُدرّس في جامعاتنا، وهو أنّه علينا أن نراعي في العقوبات اختلاف أحوال أرباب الجرائم أنفسهم، واختلاف الأزمنة والمجتمعات، لأنّ الهدف من العقوبة الإصلاح والتهذيب، وليس الانتقام، فقد يتقبّل شخص ما عقوبة ما، وتُصلحه، ولا يتقبّلها شخص آخر، فتؤثر عليه سلبًا، فتجعله ناقمًا متمردًا على المجتمع، فيقول: «ولما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف، والقلة والكثرة، جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم، فمن سوى بين الناس في ذلك، وبين الأزمنة والأحوال لم يفقه حكمة الشرع». (إعلام الموقعين: 2128).

ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية من الفترة 1955- 1969م: «ثم نعرف أنّه لا ينحصر التعزير في الجلد، وأنّ منه الضربة الواحدة والضربتين، ومنه التخجيل، والإقامة من المجلس، والهجر، والحبس، وكل شيء يسوء الشخص لعله يتوب من هذه الجرائم».. (فتاوى ابن إبراهيم 13/109)، وهو أوّل من طبّق العقوبات البديلة في السعودية قبل أكثر من خمسين عامًا.