على صفحتها في الفيس بوك، كتبت صديقتي الأمريكيَّة: «حين حاربنا في فيتنام، رحَّبنا بدخول المهاجرين الفيتناميين إلى أراضينا. أمَّا اليوم، وبعد أنْ دمَّرنا هذه البلدان السبعة، ها نحن نُغلق الباب في وجه مواطنيها الفارِّين من دمارنا». «فاليري» مواطنة أمريكيَّة تتحرَّك بتعليقاتها على الفيس بوك؛ لتشارك في تحرُّك شعبي قوي يُعارض الأمر الرئاسي التنفيذي، القاضي بحظر دخول مواطني دول: العراق، وسوريا، واليمن، والسودان، والصومال، وليبيا، وإيران إلى أمريكا. حين وصلت الطائرات الحاملة لأفراد بجوازات من تلك الدول، وتمَّ توقيفهم، تدافعت الجماهير الأمريكيَّة إلى المطارات الرئيسة لنصرتهم بأيِّ وسيلة يستطيعونها.

حين نقول إنَّ أمريكا دولة عظمى، وشعبها متحضِّر، فذلك لا يعني أنَّنا مُعجبون بمبانيها، ولا بعلمها، ولا بمصانعها، ولا بضخامة اقتصادها، ولا بسهولة سبل الحياة المدنيَّة فيها، بل هو الإعجاب بالفرد الأمريكي المتحضِّر في فِكره وسلوكه. التحضُّر هو تنامي الحسّ الإنسانيّ حتَّى يستشعر الفرد مسؤوليَّته تجاه الآخر، وحين يُدرك أنَّ مبادئه الإنسانيَّة تقف على حدِّ السكين، تجده يهرع لصفوف الدفاع عن فكرة، وعن موقف، وعن حقِّ الحياة الكريمة.

في أجملِ حراكٍ مدنيٍّ راقٍ تخلَّى الأمريكان عن عطلة نهاية الأسبوع، وأسرعوا إلى صالات المطارات وهم يحملون شعارات الترحيب بالقادمين إلى بلادهم مكتوبة باللغة العربيَّة، بترجمات لا يفهمونها: مرحبًا بكم في أمريكا، أنتم تنتمون هنا، حظركم ليس باسمنا، لا للخوف، لا للكراهية. من مطارات نيويورك ودالاس وسان فرانسيسكو راح المتظاهرون ينشدون ويهتفون، مُعبِّرين عن تضامنهم مع الركَّاب المحتجزين، حتَّى إذا خرج منهم أحد إلى ممر الدخول أخذوه بالأحضان، وقدَّموا إليه باقات الورود. ويقوم بعضهم بشراء الطعام وتوزيعه على المرابطين في المطارات، وفي مقدمتهم مجموعات المحامين الذي تبرَّعوا بخدماتهم الدفاعيَّة لمساعدة أهالي المحتجزين المتضرِّرين، وجلسوا معهم على الأرض لكتابة الدعاوى لرفعها إلى القضاء.

في كلِّ اتجاه تجد مَن يُقدِّم شيئًا، أو يُعبِّر عن موقف المعارضة. وزيرة العدل التي جازفت برفض تطبيق قرار الرئيس ترامب، ولم يهمّها أن تخسر منصبها أمام نصرة الحق، وموظفو الهيئة الدبلوماسيَّة في سفارات أمريكا الذين لم تمنعهم المجازفة من توقيع مذكرات اعتراض على الأمر التنفيذي، والسيناتور إليزابيث وارن التي لم تتردَّد عن أنْ تمسك بمكبِّر الصوت وتقول: «اليوم نحن نحارب من أجل قيمنا الإنسانيَّة، وتنوّعنا هو مصدر قوتنا». كذلك غرَّدت شركة تويتر على موقعها قائلة: «إنَّ تويتر لم يقم إلاَّ على أكتاف المهاجرين من أنحاء العالم، ونحن نُساندهم»، وردَّدت شركة آبل نفس المقولة، وأنشأت شركة جوجل حساب لصالح المهاجرين بمبلغ 4 ملايين دولار، كما عرضت شركة ستار بكس 10 آلاف وظيفة للمهاجرين.

هناك سيل من المقالات والمقابلات من كُتَّاب وفنانين يُدافعون عن حق اللجوء للهاربين من أخطار تُهدِّد حياتهم. وطبيعي ألاَّ يكون كل الأمريكان معارضين لهذا القرار، أو مساندين لقضايا الهجرة، أو الدفاع عن المسلمين، فهناك من هو أمريكي ومتطرِّف يقوم بعمل إرهابي، مثل ذلك الذي حرق المركز الإسلامي في تكساس، لكن في أعقاب ذلك قام الأمريكان المتحضِّرون بجمع 600 ألف دولار لإعادة بنائه، كما ارتفع صوت الأذان للصلاة عاليًا من كنيسة ترينيتي في بوسطن.

قرأتُ أنَّ أمريكيًّا وزوجته ذهبا لتناول الطعام في مطعم عربي اسمه كبسة في أورلاندو، وعند دفع الحساب وضعا 50 دولارًا زيادة على الحساب، وكتبا على الفاتورة: «نحن سعداء بوجودكم بيننا. المهاجرون يجعلون أمريكا عظيمة». أمريكا دولة يتكوَّن شعبها من المهاجرين، ولن يقبل مواطنوها أن تدير سيِّدة تمثال الحريَّة ظهرها للقادمين إليها. عظمة أمريكا لا تكمن في اقتصادها، ولا في قوَّتها الحربيَّة، بل في حضارة شعبها.