ليست معلومة جديدة، ولا عجيبة، أن «جان كوم» أراد من

تسمية التطبيق الشهير واتس آب (WhatsApp)، لتكون قريبة من السؤال الدارج: (What’sup )، أي «كيف الحال؟!»، أو «كيف الأمور؟!»، في إشارةٍ منه للهدف الأساس الذي أُنشئ من أجله التطبيق. لكن استخدام التطبيق اتسع بالطبع ليشمل التواصل والحوار والنقاش وتبادل الصور ومقاطع الفيديو والإعلان والتسويق، بالإضافة -بطبيعة الحال- إلى مطاردة خلق الله، والتدخل في خصوصياتهم واقتحام عوالمهم في كل وقتٍوحين.

وبما أننا شعب لنا خصوصيتنا المكوكية، فلابدَّ أن نضفيعلى الواتس شيئًا من بركتنا، ونُضيف للقائمة شيئًا من ذائقتنا النفاثة. لعلي أحتاج مثالاً هنا.. أو مثالين..

نحن في مجتمعيستخدم الواتس آب ليحافظ على قيمه المتجذرة في مستنقعاته السوداء .. النفاق مثلاً.. هل تلاحظون السيل الجارف من الرسائل الوعظيَّة التيتستقبلها أجهزتنا بشكلٍ يوميٍّ، حتى يُخيَّل للواهم أننا شعب ملائكي الصلة بخالقه. وقد يرى البعض أن هذا نوع من التناصح والتذاكر، لكن هذا -كما نعلم- لا يُشكِّل إلاَّ جزءًا صغيرًا من الصورة.

فمن البديهي أن أطلب من الواعظ الواتسآبي، الذييُفترض أني أعرفه جيدًا، أن يعمل بما يقول، قبل أن يجرؤ على الانتقال إلى مرحلة نصح الآخرين.. بعبارةٍ أخرى: حين أرى هذا السيل اليومي يجيئني من أشخاص لا يحرصون على العمل بما يعظون به، فلا أستطيع تفسير هذا إلاَّ أنَّه رغبة في رسم صورة نقيَّة تقيَّة عن الذات المرسِلة. وهذا ليس غريبًا، إذا استحضرنا الصورة الذهنيَّة التي يرسمها المجتمع -عادةً- للوعاظ.

أي أن الإعلام الجديد جاء بإمكانيَّة أن نصبح كلناوعاظًا؛ نتحاث فيما بيننا على التقوى، والبر، والعفاف، دون أن نعمل بما نقول.. لاحظوا أنَّا أصبحنا جميعًا وعاظًا، فأين ذهب المُتَّعظون؟! أنا أخشى فعلاً أننا أصبحنا متصنِّعين، نحاول أن نرتدي ما لا يليق بنا.

مثال آخر على استخدام واتسآب لغيرما خُلق له.. على طريقتنا أيدنا الله!

هل يمكن أنأسأل عن عدد الشائعات، التي يتناقلها شعب الوعّاظ دون تثبُّت أو تفكير، أو عن حملات التشويه العجيبة التي ينساق إليها مجتمع يفترض أنه تربَّى على هدي الخالق القائل -عز من قائل-: (يا أيُّها الذينَ آمنُوا إنْ جاءَكُم فاسقٌ بنبأٍ فتبيَّنُوا ). كيف يسمح شخص لنفسه أن ينقل معلومة دون أن يتأكَّدمن مصدرها، أو من صحّتها! أليست المصيبة أكبر إن كان في الرسالة ما يمس مسلمًا في دينه، أو في عرضه أو في ولائه!!

يبدو لي أنَّا لم نذهب بعيدًا عنهدف «جان كوم»؛ فقد يلوم البعض التقنية ووسائل الاتِّصال الحديثة على تكريس ونشر سلوكيات سلبية ومظاهر اجتماعيِّة غير صحيِّة، لكني أعتقد أن واتسآب وبقية الرفاق لم يفعلوا شيئًا غير فضح عوارنا الاجتماعي، وتسليط الضوء على مكامن الخلل المتضخم في جسد هذا المجتمع الخاص جدًّا! تنشد عن الحال يا واتس آب.. هذا هو الحال..!!