تزخر المدينة المنوَّرة بكثير من المعالم الإسلاميَّة البارزة التي شهدت فترة الرسالة المحمَّديَّة، وعاصرت الأحداث المبكِّرة في صدر الإسلام. هذه المعالم اليوم موضع اهتمام صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن سلمان -حفظه الله-. وقد وجَّه سموُّه الكريم اللجان المختصَّة بتطوير المدينة المنوَّرة لتنفيذ العديد من المشروعات التطويريَّة المتميَّزة؛ ومنها مشروع دراسة درب السنة الممتد من مسجد قباء إلى الحرم النبوي الشريف بعرض ثلاثمائة مترا. وقد يزداد عرضه بعد تنفيذ المرحلة المقترحة، ليقدَّم في المستقبل وجهًا حضاريًّا يليق بمدينة رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وينمُّ في الوقت ذاته عمَّا يبذله ولاة أمر هذه الأمة من جهودٍ جبَّارة لتطوير المدينتين المقدَستين؛ مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، ولخدمة ضيوف الرحمن من مختلف بقاع العالم.

من المتوقَّع أن يعيد هذا الدرب ما كان عليه في صدر الإسلام من نخل باسقات، (وَقَدْ بَدَتْ لِنَاظِرِهَا حُسْنًا قِبَابٓ زَبَرْجَدِ)، تتوسَّطهنِّ في المشروع مبان تحمل واجهاتها ما كان لمباني حيِّ الساحة في المدينة المنوَّرة من تصميم وتنفيذ أضفى شكلًا متميِّزًا وبديعًا يسرُ الناظرين قبل إزالتها لتوسعة المسجد النبوي الشريف.

كم أتمنَى أن تنسَّق قواعد البناء عبر درب السنة على شكل معيَّن ترتفع من رؤوسه الأربعة مبان من عشرة أدوار تفصل بين كلِّ بناء والآخر أرض فضاء على بعد ثلاثين مترًا من اتِجاهاته الأربعة، وقد تحوّلت إلى مروج خضراء ونخل باسقات. وتشيَّد فيما بينها مدارس لمراحل الحضانة والابتدائيَّة والثانويَّة على طول الدرب تستوعب الطلبة والطالبات المتوقَّع سكنهم في هذه المباني، لتمكِّنهم من الوصول إليها مشيًا على الأقدام، عبر ممرَّات مظلَّلة بالنخيل والأشجار دائمة الخضرة، وعلى جانبيِّ الممر مراكز الخدمات التي توفِّر لساكني الأبراج الراحة والأمان، ومتعة للمتنقِّلين مشيًا ما بين المسجدين.

هذا التخيُّل الأمنية للدرب، استوحيته من الأحياء الحديثة التي أقيمت في منتصف القرن العشرين حول مدينة أستكهولم، ووجدت فيها إنجازًا يستحقُّ الاقتداء به، ليتعانق عبق التراث وواقع الحضارة، مع المعذرة من طاقم المهندسين لتدخُّلي في اختصاصهم، والله من وراء القصد.