لا أحد يُزعم أن بوسعه توقع ما يمكن أن يفعله الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب إزاء الشرق الأوسط، لكن مسارعة الرجل منذ الدقائق الأولى ، إلى إصدار قرارات تنفيذية واجبة النفاذ، تتعلق كلها بوعود أطلقها أثناء حملته الانتخابية، تقطع بأن ما طرحه لم يكن مجرد وعود، وإنما هي قناعات ذاتية سوف يسعى الرجل إلى تحقيقها.

وبرغم ميول انعزالية أفصحت عنها خطبه الانتخابية الأولى، وأكدتها قراراته التنفيذية الأولى أيضا، مثل الانسحاب من اتفاق التجارة عبر المحيط الهادىء، وخططه لبناء جدار عازل مع المكسيك، وقراره بمنع مواطني سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة، الا أن ما جرى ويجري بمنطقة الشرق الاوسط، لا يتيح لترامب أية فرصة للانسحاب من المنطقة، أو إدارة ظهره لها.

أكثر ما أثار حنق عرب الإقليم على سياسات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، كان انحيازه لتصورات تظن أن بوسع واشنطن الاتجاه بكليتها الى الباسيفيكي لاستباق هيمنة صينية عليه، وترك الشرق الأوسط لتفاعلاته الذاتية، تفككه وتعيد تركيبه مجدداً، باعتبار أن خارطته القديمة قد استوفت أغراضها، وبأن خارطة جديدة قد تفتح أبواب فرص جديدة تلج منها واشنطن دون عناء.

سياسات أوباما قادت المنطقة الى مشكلات وأزمات، رأى كل من جيمس جيفري السفير الأمريكي الأسبق في تركيا وإيران، ومايكل ايزنشتات مدير برنامج الدراسات الأمنية والعسكرية بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن على الرئيس الأمريكي الجديد ترامب أن يتصدى لها أولاً، وضمَّنا معاً رؤيتهما في كتاب لهما صدر أواخر العام الماضي ٢٠١٦ تحت عنوان» التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط الكبير»

بالنسبة لدونالد ترامب فقد جاء هذا الكتاب في موعده، وبالنسبة لعرب الشرق الأوسط، فقد يسهم محتوى هذا الكتاب، في تعزيز وجهة نظرهم لدى النزيل الجديد في البيت الأبيض بأهمية أن تبقى أمريكا على حضور مؤثر في الإقليم، وأن تتبنى سياسات أكثر انخراطاً في قضايا المنطقة، على عكس ما خطط وسعى الرئيس السابق باراك أوباما.

لا أظن أن لدى الرئيس ترامب ما يكفي من الوقت ليقرأ كتاب جيفري وايزنشتات، لكن المؤكد أن أعضاء فريق مساعدي الرئيس يقرأون ويدرسون،ويتفاعلون ويتأثرون، ولا أرى مفراً من افتراض أن تصل رسالة الكاتبين الأمريكيين الى ترامب، وأن يتأثر بها.

يقول جيفري، وايزنشتات، إن ترامب سيجد نفسه مضطراً في الشرق الأوسط أن يكون رئيساً في زمن حرب مثل أسلافه الخمسة السابقين ( ريجان، بوش الأب، كلينتون، بوش الابن، أوباما ) ويشيران الى أن اكثر التحديات الخارجية التي ستواجهها ادارة ترامب في الشرق الاوسط، هي:

-الإرهاب

-مطامع ايران بإقامة هلال شيعي

-طموح روسي للتمدد.

ويرى جيفري، وايزنشتات، أن ثمة مصالح أمريكية في الشرق الاوسط مازالت تقتضي استمرار بقاء أمريكا هناك هي:

-محاربة الإرهاب

-منع انتشار أسلحة الدمار الشامل

-البترول

-ضمان أمن حلفاء واشنطن في الإقليم

تعريف جيفري وايزنشتات للمخاطر والتهديدات التي تهدد مصالح واشنطن في الشرق الأوسط، قد يعيد ترتيب أولويات الرئيس الأمريكي الجديد ترامب، ويرد الاعتبار الى مخاوف تقليدية أمريكية، وإلى مصالح تقليدية أمريكية في الإقليم، اعتاد عرب المنطقة على اعتبارها من الثوابت او المحددات للسياسة الأمريكية تجاه دولهم.

وينصح الخبيران ادارة ترامب بالإبقاء على حضور عسكري نشط في المنطقة لوقف تمدد الفوضى، وهزيمة داعش، ومطاردة الإرهاب، واحتواء ايران، ومواجهة حضور روسي متصاعد.

ويذكران ترامب بأن على القوة الأمريكية أن تدعم الدبلوماسية الأمريكية لتوسيع التعاون الأمني مع شركائنا في الإقليم، ومنع اي قوة من إقامة منطقة نفوذ دائمة هناك، وردع وهزيمة العدوان، والحيلولة دون امتداد الفوضى الى مناطق لم تصلها بعد.

لكن على الادارة الجديدة طبقا لجيفري وايزنشتات أن تعمل على توظيف حكيم للقوة دون تعويل مطلق عليها، فالمطلوب هو استخدام متوازن ورشيد للقوة من أجل حماية المصالح، هذا الاستخدام المتوازن يمكنه أن يكسب الرأي العام الأمريكي الى جانبه.

تتجاوب نصائح جيفري وايزنشتات كثيراً مع ما يتطلع غالبية عرب الإقليم الى تحقيقه، فلا أحد يريد، توسع ايران ولا تمدد روسيا، ولا تقدم داعش ولا انسحاب أمريكا.

الدور الامريكي في المنطقة مطلوب عربياً وبإلحاح، لكن استمرار التعويل العربي عليه، دون تبني وتطوير بدائل وخيارات ذاتية عربية، يوشك أن يضع المنطقة برمتها في مهب الريح.