بعض الحالات تحتاج إلى تأمل كبير ومتبصر.. قوة الإنسان فوق المنطق المتداول والعقل العادي.. أن يصاب الإنسان بعاهة مزمنة يعني أن طاقاته ستتعطل نسبيًا، وستكون أقل من العادي بكثير، لأن المعوقات الحياتية كبيرة إلى درجة أنها تمنع الإنسان العادي، غير المنقوص، من إنجاز ما يُريده، فما بالك بالمصاب بعطب جسدي مزمن؟ لكن هناك دائمًا شيئًا قويًا مخزّنًا في الإنسان يثير الدهشة، لا أحد يعرف سرّه إلا عندما يتجلَّى ويُصبح مرئيًا، نفسره عادة بالإرادة، لكنه يتجاوز ذلك بكثير.. ليس جديدًا القول بأن قوة الإنسان الداخلية تتجاوز معضلة الإعاقة.. فالملكات تتكامل فيما بينها.. غياب السمع، يُعوِّضه نسبيًا النظر واللمس وبقية الحواس الحية، وهكذا بالنسبة للإعاقات الأخرى، وإلا كيف نُفسِّر عبقرية الموسيقي العالمي بيتهوفن مثلا، ودقة منجزه الموسيقي، الذي يحتاج إلى رهافة سمع لم يكن يملكها؟ غياب البصر أيضا، تُعوِّضه الحواس كلها، التي تدفع بالناس الكفيفين، إلى استعمال أقاصي الإمكانات الجسدية الخاصة.. في هذا السياق، تمنحنا حالة طه حسين المزيد من الفرص لتأمُّل الظاهرة عن قُرب.. لم يصبح عميدًا للأدب بالموهبة فقط التي فيها الكثير من المورثات البعيدة، لكن بالإرادة أيضًا.

فقد درس وتكوّن في ظروف شديدة القسوة فصّل فيها كثيرًا في نصه السيرذاتي: الأيام، من الأزهر، إلى باريس، إلى مصر ثانية، قبل أن يصبح وزيرا.. أنجز مؤلفات لا تزال إلى اليوم منارات للعقل الذي يريد أن يخرج من دائرة العادي والمستهلك.. لكن الحالتين العظميين اللتين تخطتا الحدود المحلية أو القومية وذهبتا بعيدًا نحو المدى الإنساني، فوصلتا إلى ما لم يصل إليه الإنسان الكامل الحواس، الشاعران العظيمان: الأول هو أبوالعلاء المعري 363هـ الذي لم يمنعه فقدان البصر من أن يكون فيلسوفا وجوديا مهما، غيّر نظام التفكير، وشاعرا كبيرا منح القصيدة العربية والعالمية مساحات جديدة للإبداع، وناثرا ذهب بالمتخيّل إلى أقاصيه عندما كتب رسالة الغفران، التي كانت درسا في الشعرية والتأمل الفكري، من خلال رحلة أدبية افتراضية، اختار لها بطلا حقيقيا، ابن القارح، الذي ينتقل إلى العالم الآخر ويلتقي بكوكبة من الشعراء في الجنة وفي جهنم، ممن شيّدوا المنجز الشعري العربي، من أمثال حسان بن ثابت، زهير بن أبي سلمى، الأعشى، النابغة الذبياني، لبيد بن أبي ربيعة، امرؤ القيس، عنترة بن شداد، بشار بن برد، والشنفرى، تأبط شرا، وغيرهم.. أورد المعري ذلك في شكل مسامرات نقدية إبداعية، مما جعل من رسالة الغفران أول نص عربي كبير في الشعرية لو وجد من يطوره ويتوغل في قراءته عميقا.. ابن القارح، بطل هذه الرحلة الذهنية لم يكن شخصية عادية من الناحية الأدبية.

هذه الخصوصية الفنية والأدبية جعلت هذا الكتاب يرحل نحو ثقافات عالمية أخرى، كانت تحت سقف محاكم التفتيش المقدس الكنسية.. فقد تأثر به شاعر إيطاليا وأوربا الأكبر دانتي أليغري في كتابه: الكوميديا الإلهية، وكتابه أيضا عبارة رحلة ثقافية أدبية في العالم الآخر، بنفس التقنية والمواصفات. الشاعر الثاني الذي دفعت به الإعاقة البصرية إلى احتلال أعلى المراتب الأدبية، الشاعر الإغريقي هوميروس، الذي ولد في 850 قبل الميلاد، صاحب أعظم وأطول الملاحم، التي عرفتها البشرية الإلياذة 15000 بيتا، و24 نشيدا، والأوديسة 12000 بيتا، و24 نشيدا، وثلاثة أقسام.. اكتشفنا من خلال هذين النصين جزءا مهما من التاريخ الإغريقي وحروبه، ومنها حرب طروادة.. كان هوميروس أيضا كفيفا، وكان يملي أشعاره على ابنته كلما أحس بها داخليا. غياب البصر لم يمنعه هو أيضا، من أن يضع ملمسا عالميا على ما كتبه من أشعار.. تشكل الإلياذة والأوديسة اليوم، بكل الموضوعات الأسطورية والتاريخية والفنية، التي عملت عليها، طفولة أوربا الشعرية والأدبية، التي غيرت نظام الكتابة. كل ما جاء بعد ذلك من مكاسب أدبية، بُنِي على الميراث الهوميري الإنساني الحي.. شيء من الدهشة ينتابنا عندما ندرك أن الإبداعية الحية عالميا كان وراءها كفيفان؟ ماذا كان سيفعل أبوالعلاء المعري وهوميروس لو كانا مُبصرين؟ ربما كانا محاربين وماتا في المعارك الكثيرة؟ ربما تاجرين مأخوذين بدوامة المال؟ أو ربما بحارين من أهم شذاذ الآفاق؟ نستطيع أن نفترض ما نريده.. ألم تكن الإعاقة في النهاية، اختبارا جادا، لقوة الإنسان الإبداعية الخلاقة التي لا حدود لها؟