على مدى السنوات ترتفع وتيرة انتقاد ثقل الحقيبة المدرسيَّة، ويتكرر تأذِّي الأهالي من إثقال كواهل أطفالهم بوزنها غير المتكافئ مع أحجامهم الصغيرة، وفي كلِّ مرَّة تـُظهر وزارة التعليم همَّة فوريَّة للتعامل مع هذه المشكلة القديمة المتجدِّدة، فتزرع الأمل في النفوس؛ كونها ستجد الحل الناجع. كان أحدث اجتماع حول هذا الأمر قد عُقد في 18 يناير الماضي، وقد رأسه سعادة وكيل وزارة التعليم للمناهج والبرامج التربويَّة الذي أكَّد أنَّه «لا يخفى على الجميع آثار حمل الحقيبة ذات الوزن الزائد على صحة الطالب». كان هذا التعبير دقيقًا، وكذلك يجب أن يُفهم، فالاجتماع يدور بالتحديد حول الحقيبة (ذات الوزن الزائد)، أي أنَّ الثقل الذي تنشغل به الوزارة هو في ذات الحقيبة، وليس فيما يجعلها ثقيلة.

لذلك فإن الاجتماع ركَّز جهوده على وضع مواصفات جديدة للحقيبة المدرسيَّة، وهذا يفسر لماذا رأت الوزارة أن تفتح كل الجبهات لمحاصرة الثقل الخفي الكامن في الحقيبة. حضر الاجتماع ممثل من الهيئة السعوديَّة للمواصفات والمقاييس والجودة، وأعضاء فريق تخفيف الحقيبة المدرسيَّة، لكن سعادة الوكيل بشَّر بإشراك قطاعات أخرى مستقبلاً، كالجمارك والمُورِّدين والمُصنِّعين والأكاديميين والأطباء المتخصِّصين.

في اليوم الدراسي الأول من التيرم الثاني عاد الأطفال من المدرسة بأكوام الكتب المعتادة، ومعها تلك النشرة الملوَّنة الصادرة بشعار الوزارة، والمكتوبة بخط صغير جدَّا، لا يمكن قراءته إلاَّ بالمُكبِّر. تقدم النشرة إرشادات توعويَّة للتعامل الصحيح مع الحقيبة، وتنقسم إلى ثلاثة أجزاء: واجبات إدارة المدرسة، واجبات الأهل، وواجبات الطالب.

تضع الوزارة اللوم في مشكلة ثقل الحقيبة على الآخرين، فهم الذين يجهلون كيفية التعامل مع الحقيبة من قبل لحظة اختيارها، إلى ما بعد لحظة حملها: فالأهل والمدرسة يجب أن يُعدُّوا طفلاً قويًّا سليم الجسم من خلال ممارسة الرياضة، والجلوس بشكل مستقيم، والمشي بطريقة صحيحة، والقيام بالتمارين اللازمة لإعادة المرونة للعمود الفقري واسترخائه، ثمَّ إجراء فحوصات طبيَّة دوريَّة لمعالجة اشتباه الإصابات فورًا.

تبدأ معضلة الحقيبة لحظة شرائها، فتضع الوزارة اشتراطات البساطة والخفة والطول والعمق، وتُشدِّد على أن يتناسب حجم الحقيبة ووزنها مع وزن الطالب وسنّه وحجمه. هل توقّف أحدٌ في ذلك الاجتماع المقاييسي والمواصفاتي عند هذه النقطة، وفكَّر في مسألة التناسب هذه؟ هل أخذ أحدهم في الاعتبار أنَّ وزن الحقيبة سيختلف تمامًا عند الشراء عنه عند ملئها بالكتب؟ هذه النقطة تظهر مرة أخرى في التوصيات الموجهة للمدرسة: «مراعاة توزيع أحمال الكتب بوضع جداول مناسبة تراعي وزن الطالب، وعمره وحجمه، وألاَّ يزيد وزن الحقيبة بأي حال 10% من وزن الطالب».

ما الذي تتخيَّله الوزارة في ساحة المدرسة؟ ميزانًا في المنتصف تسجل منه الإدارة أوزان الطلاب، وتعطي كلاً منهم جدولاً يتناسب مع حجمه ووزنه؟ أم أن الوزارة تعتقد جديًّا أن أطفال السنة الأولى، مثلاً، جميعهم مستنسخون بمقاييس واحدة؟.

الطفل مُجهدٌ فوق طاقته من حمل حقيبة ثقيلة، والنشرة تُحذِّر من الحقيبة ذات العجلات، وتنصح بحمل الحقيبة على الكتفين لتوزيع الثقل على كامل الجسم وتفادي انحناءات العمود الفقري. في إحدى الفقرات، تنصح النشرة الطالب بأن: «يتخلَّص من حمل الحقيبة قدر ما يمكن، فبمجرد أن يصل لمحطة انتظار ينبغي أن يلقيها عن كاهله ليريح جسمه ولو قليلاً». بهذه اللغة، وهذه المفردات تعبر الوزارة عن درايتها بهذا الحمل المكتظ بالكتب الذي يرهق الطالب -خاصة في المرحلة الابتدائيَّة-، ولكنها بدلاً من الاعتراف بأن المشكلة تكمن في محتويات الحقيبة، تحوِّل نظرها إلى الحقيبة وتنشغل بمواصفاتها، ثم تُوهم الطلاب وأهاليهم ومدارسهم، بنصائحها المتوالية، وإرشاداتها المتعالية، أنَّهم، بعدم وعيهم وباختياراتهم الخاطئة، يتسبَّبون في زيادة وزن الحقيبة، وفي الإضرار بصحة الطلاب.