الصورة الذهنيَّة جزءٌ لا يتجزَّأ من مكوِّنات القوَّة، بل إنَّها قد تكون الأساس كلَّما تعلَّق الأمر بمفهوم الهيبة، الذي يعني قدرتك على حماية مصالحك أو توسيعها، دون استخدام مباشر للقوة، أو حتَّى دون التلويح باستخدامها.

استطاعت بريطانيا أنْ تربح الكثير من معاركها في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر، بالصورة الذهنيَّة، أو بالهيبة، واستطاعت الولايات المتحدة أن تصنع الشيء ذاته في القرن العشرين، باستخدام نفس الصورة الذهنيَّة، للقوَّة الرشيدة التي تصعب هزيمتها.

محاولات كسر الصورة الذهنيَّة، نجحت حين استطاعت قوى صغيرة، أو شعوب بسيطة، أن تُلحق هزيمة مُذلِّة بإحدى القوتين (بريطانيا والولايات المتحدة)، فعلها المصريُّون ببريطانيا في حرب السويس عام ١٩٥٦، وفعلها الفيتناميُّون بالولايات المتحدة منتصف سبعينيَّات القرن الماضي.

في أواخر ثمانينيَّات القرن الماضي، لحق انكسار الهيبة، بالاتحاد السوفييتي (روسيا الحاليَّة)، بعد هزيمة مذلَّة في أفغانستان، وبدا مجددًا، وكأنَّ بوسع شعوب صغيرة أن تُغيِّر الخارطة الكبيرة للنظام الدولي، الذي أفرزته الحرب العالميَّة الثانية، لكن ما يجري في اللحظة الراهنة عند قمة النظام الدولي، وحتَّى سفحه، ربما يشير إلى تحوُّلات كبرى، تصوغها أوهام القوَّة، بأكثر ممَّا تصنعها حساباتها.

بقوة الوهم، تبدو التحوُّلات في المشهد الدولي، وكأنَّما يديرها كائنٌ خرافيٌّ، استطاع السيطرة على آلة الزمن، ثمَّ راح يستدعي الماضي في ثياب المستقبل.

الدواعش يستدعون ماضي الخلافة، ويرفعون راياتها.. والفرس يستدعون ماضي الأكاسرة في ثياب الملالي.. والعثمانيُّون يستدعون ماضي السلاطين في ثياب الكماليين..

والروس يستدعون ماضي القياصرة..

والبريطانيُّون لديهم حنين واقعي لسطوة إمبراطوريَّة لم تكن تغرب عنها الشمس..

والأمريكيُّون لديهم إصرار على أن يكون القرن الحادي والعشرون أمريكيًّا..

أمَّا الصينيُّون، فيزحفون بدأب لا يكلُّ ولا يملُّ نحو عالم تملؤه الصين، أو يبيت كل ليلة داخل ثيابها، وفوق فراشها، وتحت غطائها.

هل أتيت فيما مضى على ذكر العرب؟! لا.. وأيم الله.. فالخارطة العربيَّة تشغل الجانب الأعظم من مسرح الصراع الذي تقوده، أو تخوضه سائر القوى الطامحة في استدعاء الماضي، أو الراغبة في السيطرة على المستقبل، أمَّا نحن في العالم العربي فهاربون من الفراغ إلى الفراغ.

القوى أو الدول، التي استنزفت رصيد الهيبة لديها، نتيجة سوء تقدير، قاد بدوره إلى سوء عاقبة، قد تجد نفسها مضطرة إلى خوض ساحات الصراع أو التنافس، بصورة مباشرة، أو عبر وكلاء إقليميين أو محليين، أو من خلال تحالفات، تقبل فيها باقتسام الأعباء، وتقاسم الغنائم، وتلك طبيعة السياسة، لكن نتائج الصراع، والشكل النهائي لنظام دولي جديد تجري الآن عمليَّة إعادة رسم خارطته، لن تحسمه قوَّة السلاح وحدها، وإنَّما قوَّة الأفكار، وقوَّة الأوهام أيضًا.

قوَّة الأفكار في تلك المعادلة، ما تزال تُرجِّح فيها كفَّة أوروبا القديمة بزعامة ألمانيَّة - فرنسيَّة، بعد انسحاب بريطانيا، وانحيازها إلى فضائها الأنجلو سكسوني، أمَّا قوَّة الأوهام فيستأثر الشرق القديم بأغلبها، حيث يحلم الفرس بعودة طائرهم الخرافي «سيمرج»؛ ليحط فوق شجرة الخلد في منطقتنا، بينما تعاود الترك أحلام خلافة سقطت أوراقها، وجفَّت شجرتها قبل مئة عام.

(ملحوظة: أجرى الإيرانيُّون -مؤخَّرًا- تجارب على صاروخ باليستي، حمل اسم «سيمرج»، ألم أقل لكم إنَّهم يستدعُون الأوهام؟!).

في هذا السباق بين قوَّة السلاح، وتُمثِّلها واشنطن، وموسكو، وبين قوَّة الأفكار، وتُمثِّلها أوروبا القديمة، وقوَّة الأوهام التي يُجسِّدها الشرق الأوسط عربًا، وفرسًا، وتُركًا، تبدو لحظة ترامب في البيت الأبيض، وكأنَّها مطرقة رومانيَّة تقرع ناقوسًا حلقيًّا، لتُدشِّن مصارعة الأسود الجائعة مع العبيد من أتباع سبارتاكوس، فوق مسرح روماني باتِّساع العالم القديم كله.

النظام الدوليُّ فَقَدَ هيبته، والسلاح وحده دون هيبة، لا يستطيع مهما بلغت طاقته التدميريَّة، أنْ يُلحقَ هزيمةً نهائيَّةً، لا بالأفكار، ولا حتَّى بالأوهام.

العالم في لحظة ترامب، قد يبدو قبيحًا، لكنَّه أكثر صدقًا مع ذاته، فالاستعمار يعود استعمارًا، والاستعلاء يعود استعلاءً، دون أن يتخفَّى في مفردات أنتجها العالم في سان فرانسيسكو، قبل أكثر من سبعين عامًا، ثم أودعها بين دفتي وثيقة حملت عنوان «ميثاق الأمم المتحدة»، فلا هي أمم، ولا هي متَّحدة.. أليس كذلك؟!