عند بناء أول مسجد في عهد الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن دوره يقتصر على العبادة وإلقاء الخطب فقط، بل كان دوره ممتدًا ليشمل الكثير من المهام الاجتماعية والعسكرية والتربوية، فكان ملتقى للحوار والنقاش حول قضايا الأمة، وكان مقرًا لتعليم الأمور الشرعية، كما كان دارًا لضيافة الغرباء، ومقرًا للتخطيط العسكري، ومقرًا للأسرى، لكن اتساع الدولة الإسلامية وتنامي أعداد السكان واتساع حالات النمو الحضاري في مختلف المجالات الحياتية أدى إلى تخصيص مقرات لتلك المهام، مما حصر دور المسجد في الجانب التعبُّدي.

ونتيجة لحالات الصراع المستدام للبحث عن السلطة والهيمنة الذي عاشته الدولة الإسلامية منذ العهد الأموي وحتى يومنا هذا، فقد انحصر دور المسجد في العالم الإسلامي في مجالين: أحدهما العبادة، والآخر اتخاذ منابره لخُطب التهييج الطائفي والمذهبي وكذلك السياسي، وهنا أصبح المسجد يُتَّخذ مظلة دينية، لتعزيز اتجاه مذهبي أو تهييج طائفي أو دعم سياسي بين الأطراف، فكانت تلك المنابر منطلقًا ساخنًا لبروز الكثير من الطوائف والمذاهب المتحاربة التي أدت إلى المزيد من التشرذم والتصارع والتفكك بين أبناء الأمة الاسلامية، بل إن الأدهى والأمرّ أن بعض أعداء الأمة الإسلامية والباحثين عن مصالح اقتصادية أو سياسية يستثمرون تلك المنابر لصالحهم، فتضاعفت حالات التشرذم، ونتج عنها بروز طوائف تلتحف بعباءة الدين الإسلامي، وهي أبعد ما تكون عنه، وها هي اليوم تعيش الأمة الإسلامية أخطر منحنيات ذلك الانحراف الذي يتمثل في بروز الكثير من حالات التشرذم والتفكك والصراع المخيف بين أبناء الأمة الإسلامية ينتج عنه كل يوم المئات من الضحايا الأبرياء، والمضحك المبكي في ذات الحال أن كل منهم يدّعي أنه يذود عن الإسلام ويبذل الروح والمال في سبيل الدفاع عنه، والجميع أيضًا يرون أن قتلاهم شهداء، وأن القاتلين في النار، وتناسوا جميعًا الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم والذي قال فيه صلى الله عليه وسلم (إذا التقى المسلمانِ بسيفَيْهما فالقاتل والمقتول في النار)، وعندما سُئل صلى الله عليه وسلم أن هذا القاتِل، فما بالُ المقتول؟ قال: إنّه كان حريصًا على قتل صاحبه.

أما المؤسف أن أغلب المؤسسات القائمة على المساجد في أغلب البلدان الإسلامية تناست مكانة وقيمة ودور المسجد المهم جدًا في توعية أفراد المجتمع بأغلب قضاياه الاجتماعية والتربوية والاقتصادية، التي تعد الأهم والأقرب إلى ملامسة همومهم وأعبائهم، وهم الذين يقفون أمام الخطيب في حالة صمت مهيب يستوجب أن يُستثمر لمناقشة مثل تلك القضايا، وخاصة في ظل تحوُّل أغلب تلك الخطب إلى حالات التهييج المذهبي والطائفي والدعاء على الرايح والجاي، أو مناقشة القضايا العقدية التي يستوجب أن تُوجَّه لغير المسلمين، كونها ذات صبغة دعوية لغير المسلمين، والتي لولا اعتناق الحاضرين لها، لما وجدوا ضمن تلك الصفوف الصامتة رغبةً أو رهبة.

وكم أتمنى من السلطات في جميع الدول الإسلامية أن تهتم بإعادة النظر في محتوى تلك الخطب، وأن تسنُّ لذلك الأنظمة الضابطة التي تُحقِّق أهدافها الشرعية والتربوية.. والله من وراء القصد.