لقد ميّز الله الإنسان بالعقل؛ لأنّه منشأ الفكر الذي جعله مبدأ كمال الإنسان ونهاية شرفه وفضله على الكائنات، وميَّزه بالإرادة وقدرة التصرف والتسخير للكون والحياة، بما وهبه من العقل وما أودعه فيه من فطرة للإدراك والتدبُّر وتصريف الحياة والمقدرات وفق ما علمه من نواميسها وأسبابها ومسبباتها، فيعلو ويحسن طواعية والتزامًا بالحق، وينحط ويطغى ويفسد باجتناب الحق واتباع الهوى.. فالعقل الإنساني أداة الإدراك والفهم والنظر والتلقي والتمييز، والموازنة بين الخير والنفع والضرر، وهو وسيلة الإنسان لأداء مسؤولية الوجود، والفعل في عالم الشهادة والحياة. والعقل بما أُودع من فطرة إلى جانب أنّه الوسيلة الأساسية للإدراك، فإنّه يحوي في ذاته بديهيات المعاني والعلاقات بين الإنسان والحياة والوجود والكائنات، ويبني عليها منطقه ومفاهيمه الأساسية في هذا الوجود؛ ولأنّه مناط تشريف وتكليف فهو مناط حساب ومسؤولية.

فالعقل الإنساني وقدرته على الإدراك والتمييز والتمحيص هو وسيلته في إدراك فحوى الوحي الإلهي ووضعه موضع الإرشاد والتوجيه لعمل الإنسان وبناء الحياة ونظمها وإنجازاتها بما يُحقِّق غاية الوحي ومقاصده. فبغيره لا يتم تنزيل النص على الواقع، والعقل ابتداءً يميز بين الوحي الصحيح، وبين الدجل والخرافة والكهانة الكاذبة. فكما أنّه وسيلة الإنسان إلى الفكر الصحيح والعلم النافع، فهو وسيلته قبل ذلك إلى الهداية وإلى الإيمان بالوحي ورسالات السماء؛ لذا فلقد اهتمت التربيةُ الإسلاميةُ بالتربيةِ العقلية، وأهمُّ الأسس التي تقوم عليها التربية العقلية الحث على العلم والتعلم (اقرأْ بِاسْمِ رَبَّكَ الَّذي خَلَق. خلَقَ الإِنْسَان مِنْ عَلَقْ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم. الذي عَلَّمَ بِالقَلَمِ. عَلَمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) والحث على التبين والتثبت والتروي في معرفةِ الحقائقِ العلمية، وفهمِ أسبابها واستخراجِ قوانينها بشتى الوسائلِ من ملاحظةٍ ومشاهدةٍ وتجربة قبل تقريرِ نتائجِها، وإعلانِ أحكامِها (قُلْ هَاتُوا بُرْهانَكُمْ إن كُنتُم صادِقين) (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلم إنَّ السَّمَعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوُا إِنْ جَاءَكٌمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوُا أَنْ تُصِيُبُوُا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوُا عَلَى مَا فَعْلْتُمْ نَادِمِين).

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد في منزلة العقل ومكانته في كتاب الله: «والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يُلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه» (التفكير فريضة إسلامية، ص7).

ويكفي الإسلام تكريمًا للعقل وإعلاء من شأنه أن جعله مناط التكليف، فلا يتوجَّه الخطاب الشرعي إلا للعقلاء من البشر، بينما يسقط التكليف وترتفع المسؤولية عن فاقدي هذه النعمة الإلهية والجوهرة الثمينة، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق».