عاد دونالد ترامب -خلال خطابه في حفل التنصيب- لتأكيد مقولته التي ردَّدها طوال حملته الانتخابيَّة: «خطَّتي الخارجيَّة سوف تضعُ المصالحَ الأمريكيَّة فوق كلِّ شيءٍ. ستكون (أمريكا أولاً) هي المحرِّك الرئيس لإدارتي»..

إنَّ تبنِّي ترامب هذا الشعار لسياسته الخارجيَّة يجعلنا نتساءل: أين كانت أمريكا؟ ومَن الذي تصدَّر قائمة الدول من قبل؟ يرى ترامب أنَّ دول العالم كلَّها كانت محل تفضيل أمريكا على ذاتها، فيقول: «منذ عقود طويلة ونحن نثري الصناعات الأجنبيَّة على حساب الصناعة الأمريكيَّة، ونحن ندعم جيوش الدول الأخرى، بينما نسمح بتآكل قواتنا الحربيَّة»!

في عام 1927 كان شعار عمدة شيكاغو ويليام هيل تومسون هو: (أمريكا أولاً وأخيرًا ودائمًا)، لكن الأمريكان يتذكَّرون موقفًا سياسيًّا بشعًا استخدم فيه شعار (أمريكا أولاً)، وذلك حين أنشأ دوجلاس ستيورات تنظيمًا معارضًا للحكومة يُطالبها بعدم الدخول في الحرب العالميَّة الثانية، وقارب عدد أعضاء الحركة المليون، كان أشهرهم تشارلز ليندبيرج، أوَّل طيار قطع المحيط الأطلنطي، وقد عبَّر عن موقف التنظيم عام 1941 قائلاً: «إنَّ الشعب البريطاني، واليهود يريدون توريط أمريكا في معركة غير أمريكيَّة».

من شعار ترامب تنبثق سموم العنصريَّة والانعزاليَّة، وقد أثار ردود فعل غاضبة حول العالم، كان أشهرها تلك الحملات الساخرة التي أطلقها البرنامج الهولندي الكوميدي (سهرة الأحد مع لوباك)، والتي رشَّحت هولندا لاحتلال الموقع الثاني بعد أمريكا، ثمَّ توالت الحلقات الهزليَّة من 18 دولة تتنافس على ذلك الموقع، وتحاول أن تقنع ترامب باستحقاقها له، وذلك بعرض مزايا كل بلد بما يروق له من تعنصر وانعزاليَّة.

ما الجديد في مقولة ترامب، وقد قِيلت من قبل، وفُعِّلت في عقود التاريخ الحديث؟ يضع كلُّ رئيس أمريكي مصالح أمريكا أولاً، وتاريخ أمريكا كله يتحرَّك حول ما يضمن مصلحتها فقط. ومع ذلك فإنَّ مقولة ترامب توحي بأنَّ من سبقه من رؤساء قد وضعوا أمريكا ثانيًا، وأن سياساتهم خدمت الدول الخارجيَّة على حساب إفقار أمريكا وإضعافها.

إن كان ترامب يقصد بـ(أمريكا أولاً) أنَّه سيتخلَّى عن الحلفاء، وينقض الاتفاقيَّات، ويقوِّض النظام العالمي، فـ(أمريكا أولاً) هي وصفة مدمِّرة، ظهرت مقدِّماتها في مواقف أوباما السلبيَّة، وقراراته بخذلان الأوكرانيين، والانسحاب المتسرِّع من العراق، والمساهمة في التخلُّص من القذافي، وحكمه في ليبيا، ووهم الخط الأحمر في سوريا.

يعدُ ترامب بتغيير دور أمريكا في حلف الناتو، وفي الأمم المتَّحدة، متبرمًا من تكاليف الحروب العالية التي أنهكت اقتصاد بلاده، لكنَّه ركَّز على التكلفة، وتغاضى عن الانتفاع الباهظ الذي جنته أمريكا. تتحوَّل أمريكا إلى ضحية استُغلِّت عالميًّا، بينما هي التي نصَّبت نفسها شرطة العالم، وأقحمت جيشها في حروب مفتعلة، ثمَّ راحت تولول بأنَّها لم تستفد منها بالمقابل، وأغفلت بأنَّها إنَّما صرفت تريليونات الدولارات لخدمة أغراضها وخططها ومصالحها.

وكأنَّ أمريكا لم تكن (أولاً) من قبل، وكأنَّ سياساتها لم تخرج عن نطاق الإيثار والكرم. اختلقت أمريكا هذا النظام العالمي، وشكَّلت العالم على صورتها، وتربَّعت على قمته كقوة عظمى، ثم فتحت أسواقه لشركات التقنيات الأمريكيَّة، ولمواقع التواصل والتسوق الإلكتروني الأمريكيَّة، وللأفلام السينمائيَّة الأمريكيَّة، ولسلاسل المطاعم السريعة الأمريكيَّة. لم يصل الثراء إلى الدول، وسبّب فقر أمريكا، بل هي ازدادت ثراء فازدهر الدولار الأمريكي، والبنوك الأمريكيَّة، والشركات الأمريكيَّة، لتقف أمريكا اليوم كأقوى دولة في العالم بأقوى جيش، وأقوى اقتصاد.

أمريكا تتصدَّر العالم، ولا تسمح لمنازع بالتقدم خطوة عن ترتيبه الرقمي، وهي ليست السلطة الأخلاقيَّة الكريمة حارسة القيم الإنسانيَّة، وإن تمسَّكت بهذه المثاليَّة، وإنَّما هي سلطة فارطة: تُهدِّد وتغزو، وتتحكم في القوانين، وتستثني نفسها من التشريعات، لتكون دائمًا (أمريكا أولاً).