عاتبني أحد الأصدقاء، حين قرأ مقدِّمة مقالي الأخير قائلاً: إنَّه كاد يطيرُ من الفرح، حين بدأتُ المقال عن مترو جدَّة كخيار آخر غير السيَّارة. يقول صديقي المُعاتِب: «في تلك الليلة رأيتُ فيما يرى النائم -خيرًا اللهم اجعله خيرًا- نفسي متَّجهًا إلى عملي، متأبِّطًا حقيبتي بيدٍ، وكوب القهوة في الأخرى، أنظرُ بغبطة إلى ملامح جدَّة من نافذة القطار.. وجدتُ نفسي أجوبُ شوارع جدَّة وأحياءها، قافزًا من عربة مترو إلى أخرى. هاتفتني في الحلم يا عادل لتسألني عن مكاني، فأجبتك أنّي بمحطة مترو البلد، أرتشفُ فنجان قهوة ساخنًا، بانتظار القطار المقبل المتَّجه إلى أبحر، قلتَ لي: إذن نلتقي هناك.. في أبحر، بعد خمس عشرة دقيقة.. قلتُ: وهو كذلك». يكمل صديقي: «لكنَّني رغم حلاوة الحلم وطراوته، استيقظتُ مذعورًا يا صديقي.. مذعورًا بالفعل! فلا يمكن أن يحدث هذا في جدَّة.. وأيقنتُ أنَّه كابوسٌ مخيفٌ ليس إلاَّ.. كفانا الله شرَّ الكوابيس، وحظَّ المناحيس.

حاولتُ التخفيفَ عن صديقي، والتهدئة من رَوعِه، ذكَّرته بمشروع مترو جدَّة، الذي يُفترض أنَّ تنفيذه قدْ بدأ الآن، لكنَّه -والعَبْرَة تخنقُه- ردَّ عليَّ: تأجَّل المشروع.. تأجَّل المترو، كما تتأجَّل مشروعات أخرى غيره.

حال صديقي جعلتني أضربُ موعدًا لمقابلته، لعلِّي أستطيعُ فعل شيء للرفع من معنوياته. اتَّفقنا على اللقاء في مكانٍ قريب بيننا.. في الطريق، احتضنتني جدَّة بأسلوبها الخاص، أقصدُ بزحامها طبعًا. ليس سرًّا ما تُعانيه جدَّة من زحامٍ يصل حدَّ الاختناق، يزيده سوءًا لزوم دخول المسافرين من مكَّة والمدينة عبر شريانها الرئيس، خط الحرمين، الذي تنتهكه شاحنات النقل، وسيَّارات العمالة، بالإضافة إلى السلوك المروري غير المسؤول لقائدي المركبات، الذين لا يعطون اعتبارًا لأيَّة قوانين أو أنظمة، في غياب -أو ندرة واضحة- لدور فاعل لرجال المرور في شوارع جدَّة الرئيسة.

فكَّرتُ -وزحام جدَّة خير مكان لإنجاز مشروعاتك الفكريَّة- في جدَّة.. جدَّة التاريخ.. جدَّة الجمال.. وعروس البحر الأوفى، كيف تُركت هكذا كلَّ هذه السنين خارج الحسابات.. حسابات المسؤولين المعنيين؟! لماذا وصل بها الحالُ لتصبح هكذا، والإمكانات تتيحُ أن نُوفِّر لها كلَّ ما تحتاج من شبكة قطارات، وأنفاق، وباصات، ونقل عام؟! لماذا كان قَدَر جدَّة أنْ تُصبح مسرحًا للإهمال؟! والآن.. تأجَّل مشروع المترو.. فهل سيسعفنا العمر لنرى المشروع قائمًا؟ وهل سيُصبح الحلمُ حقيقةً يومًا من الأيام؟!

كنتُ غارقًا في أفكاري حين عاد واتَّصل بي صديقي ليسألني: أين أنا؟ اكتشفتُ أنَّ ساعةً وربعَ الساعةِ قد مرَّت منذ خروجي من المنزل.. ساااااااعة وربع، وأنا بعد لم أصل! أجبته -مطأطئ العزيمة- إنَّني لا أزالُ في الطريق، في زحام جدَّة. حينها.. ضحك صديقي ضحكًا لا يُشبهه شيءٌ أكثر من البكاء، وقال: كابوس.. قلت لك.. كان كابوسًا يا صديقي!