فوضى مواقع التَّواصل الاجتماعيَّ التي أُوجدت لتُوثِّق عُرَى الأخوَّة والمواطنة والمعرفة بين مستخدميها، فاقت -في هجمتها الشرسة- الفوضى الخلَّاقة، كما سمَّتها السيِّدة كونداليزا رايس؛ وزيرة خارجيَّة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة السابقة. في الواقع، هي فوضى هدَّامة قلبت أوضاع العديد من الشعوب العربيَّة رأسًا على عقب، لتُمزِّق نسيج مجتمعاتها الوطنيَّة، ومثيرة للنعرات الطائفيَّة والمذهبيَّة، ومحدثة القلاقل والفتن التي أودت بحياة مئات الألوف من المواطنين العرب، بعد أن دمَّرت بيوتهم ومدنهم وقراهم وأريافهم، ونهبت مصادر رزقهم، وهجَّرت الملايين منهم إلى المجهول في أراضي الله الواسعة.

يبدو أنَّ فوضى قنوات التَّواصل الاجتماعيِّ على تعدُّد قنواتها تُوجَّه من جهاتٍ دوليَّة تتحكَّم بمصير الأمم والشعوب، وتتكسَّب من إشاعة أخبار لا أساس لها من الصحَّة لتُشوِّش أفكار مستقبليها. وهكذا تلغي قدرة العديد منهم على التمييز بين الصحيح من الأخبار أو المختلق. وبذلك تنتهك أخلاقيَّات المجتمعات، وما تقتضيه المصلحة العامَّة من الحفاظ على وحدة الأمَّة وتماسك أفرادها، والإبقاء على القواسم المشتركة بين أطياف الأمَّة متعدِّدة الانتماءات. وعلى ما يبدو، يتناسى المتعاملون مع هذه القنوات ضرر هذه الشائعات المغرضةً على أمن واستقرار الأمة جمعاء، والتشكيك في العقيدة والاقتصاد، وحتَّى في الطبِّ والغذاء، وأمور الحلال والحرام! متناسين أنَّ الحلال بيِّن، والحرام بيِّن في كتاب الله الكريم، ومتجاهلين ما روي عن رسولنا الكريم قوله: (لَا يَستَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيم قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقه).

وبما أنَّ للغش ومكافحة الفساد في وطننا الغالي هيئات رسميَّة تحمي المواطنين منه بأشكاله كافَّة، وقوى أمنيَّة تلاحق الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا لتخليص الأمَّة من شرورهم، فإنَّ الحاجة ماسَّة إلى وسائل تقنيَّة، ومناهج تربويَّة، وبرامج توجيهيَّة لتقويم قنوات التَّواصل الاجتماعيِّ، وأخلاقيَّات المجتمع، وإعادته إلى نهج سياسة كلمة سواءٍ تجمَّع ولا تفرِّق. تبني ولا تهدم، وتقف ثابتة في وجه مروِّجي الإشاعات المضلِّلة، والأخبار المختلقة، والفتاوى المفبركة، ومن يوجِّههم عن بعد من القوى العالميَّة الحاقدة على عقيدتنا، والطامعة في نهب ثرواتنا، والساعية إلى تفكيك عرى مجتمعنا، وتهديم أركان وطننا.. والله من وراء القصد.