سَألني: مَا الذي يُزعجك مِن السُّعوديين فِي حَالة العَزَاء؟ قُلت: يُزعجني أنَّهم إذَا اتَّصلوا، أَو حَضروا للتَّعزيَة، يُكثرون مِن الأسئلَة حَول تَفاصيل المَوت وأَسبَابه.. هَذه القصَّة القَصيرة، كَتبتُها قَبل فَترَة، حِين عَانيتُ الأَمرَّين مِن هَذه الأَسئِلَة..!

وبَعد أَنْ لَخَّصتُ مُعَانَاتي فِي القصَّة، دَعوني أَتوسَّع فِي الأَمر، وأَشرَحه فِي هَذا المَقَال عَبر هَذا السِّينَاريو:

حِين يَتوفَّى لَكَ قَريبٌ أَو صَديقٌ -وهَذه سُنَّة الله فِي الأرَض- يَنهَال عَليكَ المُعزُّون حضُورًا واتِّصالاً، وكُلُّ هَذا أَمر مُستَحبٌّ وطيِّبٌ، ولَكن مَا هو غَيرُ مُستحبٍّ وغَيرُ طَيِّبٍ، هُو تِلك الأَسئِلَة الكَثيرة والوَفيرَة حَول عُمر الميِّت، وكَيف تُوفي؟ وهَل لَه أَولَاد؟ وكَم زوجَة عِنده؟ وهَل تَرَك شَيئًا مِن أَثَر الدُّنيَا أَم لَا؟ وغَيرهَا كَثير مِن الأسئِلَة، التي لَا تُسمنُ ولَا تُغني مِن جُوع..!

ومِثل هَذه الأَسئِلَة غَير لَائِقَة لأسبَابٍ كَثيرةٍ، مِن أَهمِّهَا: أَنَّ حَالة الحُزن التي تَغشَى أَهل الميِّت، لَا تَتحمَّل كَثرة الأَسئِلَة، والخَوض فِي أَدقِّ التَّفَاصيل، كَمَا أَنَّ مِثل هَذه الأَسئِلَة؛ يَجب أَنْ تَقتَصر عَلى مَن بيَده شَيء؛ مِن أَهل الحَلِّ والعَقدِ، أَو أَهل المُسَاعدة، أَو السَّاعين فِي الخَير، ولَكن حِين يَبدَأ كُلّ شَخص يُحقِّق ويَسأل، وكَأنَّه ضَابط بُوليس، فهَذا مِن غَير المَقبول، ولَا مِن اللَّائِق..!

أَكثَر مِن ذَلك، أَتذكَّر أَنَّ أَحدَهم سَألني، حِين عَزَّاني فِي وَفَاة قَريب لِي بَعد مَوته بشَهر، قَائلاً: «لِمَاذَا لَم تَأخذوا المَرحوم إلَى المُستشفَى الفُلَاني»؟ فوبَّخته قَائلاً: كَان مِن المُفتَرض أَنْ تَدعو لَه بالرَّحمة والمَغفرة، بَدلاً مِن هَذه الاقترَاحَات الافترَاضيَّة، التي تُجدِّد المَواجِع والأحزَان..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَنْ أَقول: يَا قَوم، بالله عَليكم حَاولوا أَنْ تَكونوا لُطفَاء فِي الأَسئِلَة، خَاصَّة في حَالَات العَزَاء، ولَا تَستَسلموا لأنَانيتكم وفضُولكم، وتَطرحوا أَسئِلَتكم الحَمقَاء بكُلِّ «دَفَاشَة»؛ عَلى أَهل العَزَاء والضَّرَّاء..!!