يظل توازن القوى هو الضمان الحقيقي لأي استقرار عالمي أو إقليمي، لكن وجهات النظر إزاءه تتباين بحسب تعريف كل طرف لمفهوم القوة ومصادرها الكامنة، وهل تسكن في مظاهر القوة السافرة، أم في نوايا السياسة المضمرة.

لا أعرف إن كان توقيت زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لكل من سلطنة عمان ودولة الكويت، يحقق بدرجة أكبر مصالح عربية أم فارسية في الخليج، لكنني أعرف أن كلا الطرفين العرب والفرس عبر ضفتي الخليج يدركان حتمية التعايش، الذي فرضته حقائق الجغرافيا، ومازالت تشترك في صياغته وقائع التاريخ، وأعرف أيضاً أن تقدير الظرف المناسب للتواصل، أو للتشاور حول مقتضيات هذا التعايش السلمي المشترك، يخضع لاعتبارات وحسابات، لا ترتهن كلها لإرادات الأطراف الإقليمية وحدها، فيما تراجع واشنطن تصوراتها الأمنية في منطقة الخليج، وتؤكد رئيسة الحكومة البريطانية جاهزية بلادها لصيانة أمن المنطقة.

أبرز معطيات الوضع الإقليمي على الأرض فيما تجري محادثات روحاني في مسقط والكويت، هي أن طهران قد ظفرت باتفاق نووي اعتبرته إدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما نصراً دبلوماسياً مؤزراً، فيما نظرت إليه دول الخليج العربي بعين الارتياب، وأبرز المعطيات أيضاً أن طهران التي طمأنها الاتفاق النووي، قد سعت إلى التمدد الإقليمي وفق تصور طائفي، شمل مناطق في العراق وسوريا ولبنان واليمن، على نحو يهدد أمن دول مجلس التعاون الخليجي، ويستنفر طاقات الإقليم للدفاع عن مصالحه وصيانة أمنه.

زيارة روحاني لمسقط والكويت، جرى الإعداد لها قبل استلام الرئيس الأمريكي ترامب مهامه الرئاسية، لكن سياسات ترامب المعلنة تجاه طهران، قد تكون بين عوامل أخرى كثيرة أحد عوامل التأثير في نتائج تلك الزيارة، إذ تسعى إيران للتهدئة تجنباً لتصعيد محتمل من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة التي يسيطر عليها الصقور، لكن طهران تذهب إلى حوار مع الخليج، وسط مظاهر لا مبالاة بالضغوط الأمريكية، إذ يصرح وزير خارجيتها جواد ظريف قبل ساعات من وصول الرئيس الإيراني إلى مسقط، بأن جولة روحاني الخليجية هي فرصة أخيرة لا ينبغي تفويتها، لكنه لا يخبرنا، فرصة أخيرة بشأن ماذا؟. وماذا لو لم تجد تلك «الفرصة الأخيرة» تجاوباً، وهل ما يقوله هو في معرض التهديد، أم في معرض التحفيز؟.

الجانب المرئي أو المقروء في السياسة، غالباً ما يكون مضللاً، إذ يعمد إلى إيحاءات تمضي بفكر قرائها إلى وجهات غير صحيحة، ولهذا فإنني قد أختلف مع من ذهبوا إلى أن إدارة ترامب قد تمضي في تصديها لسياسات طهران، إلى ملامسة حدود استخدام القوة، بدرجات تفاوتت توقعات مراقبين في منطقة الخليج بشأنها، إذ لا أتوقع تحركاً أمريكياً يلامس حدود استخدام القوة، لكنني أتوقع التزاماً أمريكياً بأمن الخليج، قد يلجم التوق الإيراني للتمدد، أو للتدخل في الجوار.

كذلك فإنني لا أتوقع أن تنتج زيارة روحاني لمسقط والكويت تفاهماً بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي، يضع نهاية لأجواء التحفز ومظاهر التربص، لكنني أتوقع أن تسعى طهران من خلال الزيارة إلى شراء بعض الوقت ريثما يهدأ غبار الحماسة في واشنطن.

الحقيقة الوحيدة، التي يستيقظ عليها شعوب الخليج وإيران كل صباح، هي أن الجوار أبدي، وأن التعايش حتمي، وأن التفاهم واجب، وأن مهمة السياسة طول الوقت هي استيعاب تلك الحقائق وإنتاج أدوات التكيف الإيجابي معها، لكن ما ينبغي أن تفهمه طهران، هو أن التزامها بمبادىء حسن الجوار في القانون الدولي وعدم التدخل في شؤون جيرانها، هو المنطلق الوحيد لتكريس علاقات تعايش أو حتى تعاون مشترك.

المشهد الإقليمي واحد، لكن أوجه قراءته متعددة، وبسبب تعدد أوجه القراءة، تتعدد التصورات وتتباين المصالح وتتصادم الإرادات. ولا سبيل إلى تجنب صدام عنيف في الإقليم، سوى بالتوصل إلى قراءة واحدة لمشهد واحد، لا يمكن بلوغها دون إنجاز نظام دقيق لتوازن القوى في الإقليم، يحمل، بقوة العقل لا بمنطق القوة، المصالح المتباينة إلى شواطىء التلاقي.