نتطلع ونتحدَّث كثيرًا عن التنمية والاقتصاد وارتباطهما في السعوديَّة، ونتحدَّث دومًا في المدى المتوسط والقصير الأجل، ونتحدَّث عن درجة الاعتمادية بينها في تحسين الوضع الاجتماعي والسياسي، وأهميَّة الاثنين في تحقيق الأمان للمواطن، وكيفيَّة الربط بينهما، ولا شك أن التنميَّة في المجتمع تدعم الاقتصاد وتدفعه إلى الأمام بصورة مباشرة، وبالتالي تنعكس على الوضع الاجتماعي، ولكن خلال الفترة الماضية تراخى الحديث عن مُحرِّك أساس للتنمية والاقتصاد، ويلعب دورًا مهمًّا، وساعد دولاً كثيرة حديثًا في تحقيق تطلّعاتها ونموّها، ومن ضمنها الصين، والهند، ودول أوروبا الشرقيَّة في التحوُّل نحو التنمية والنمو الاقتصادي، وبالتالي تحسن الوضع الاجتماعي في هذه الدول. فمازلنا لا نعطي التعليم وجودته وتطويره الأهميَّة اللازمة، وكأنَّنا سلَّمنا وأصبحنا محلك سر في هذا الجانب. التعليم هو المُحرِّك الأساس للتنمية والاقتصاد، وهو الدافع لهم، فعمليَّة التطوير والتحسين، وإعطاء الميزة التنافسية عادةً ما يكون من خلاله، وليس من أي مُتغيِّر آخر. رأس المال البشري حقق -ولازال يُحقِّق- الكثير لدول العالم، حتَّى مع انتفاء الموارد الطبيعيَّة فيها، واستطاعت، ولازالت تحقق الكثير.

نتحدَّث كثيرًا، ونتحاور بصورة أكبر عن التوطين للوظائف في السعوديَّة، وننسى أنَّ أهمَّ محور في عمليَّة التوظيف هو التعليم، وجودة المخرَّجات والسلوكيَّات التي طال الحديث عنها، ويتوقَّع أن يتم انحسارها.

وما نودُّ الحديث عنه هنا ليس السابق، وإنَّما أهميَّة توجيه التعليم لخدمة التنمية والاقتصاد، فالتعليم بشكله الحالي لا يخدم التنمية والاقتصاد بصورة مباشرة، بل هناك شبه انفصام بين الاثنين (التنمية والاقتصاد)، والتعليم، ولو نظرنا لبعض الدول وتوجيه التعليم فيها ندرك الدور المطلوب، وسبب توجّهه، ولعل أوضح مثال هو الهند، والتي ركَّزت على التعليم للحاسب الآلي، حتَّى أصبحت مركزًا مهمًّا له عالميًّا، ولو دقَّقنا النظر في الجامعات ومنهجها في دولة مثل الهند، نجد أنَّ هندسة اللحام المهمَّة في صناعة السفن والحديد، لوجدنا تخصصًا في بعض جامعاتها لتخريج المتخصِّصين المؤهَّلين. ومادامت الأسماء تعني الكثير لنا، والحصول على الدرجة الجامعيَّة مهم لنا، فلماذا لا نعطي درجة بكالوريوس للمتخصِّصين في السباكة والكهرباء وغيرها من المهن التي نحتاجها، ونُغيِّر تعامل المجتمع مادام مجتمعنا لا يتعامل إلاَّ بهذه الطريقة.. كذلك جامعاتنا ومساهمتها في تطوير وتنمية الصناعة وتركيزها على قطاعات محددة.. التخصُّص مهم وحيوي، وقد بدأنا في القرن الماضي بإنشاء جامعة البترول والمعادن التي تحوَّلت إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن؛ بهدف خدمة قطاع وصناعة لنا تميُّز فيها، ولَم يلبث إلاَّ وتحوَّلت نحو التوجُّه العام، وإذا رغبنا في أن نُحقِّق تنمية ودعم للاقتصاد، لابدَّ لنا من أن نبدأ بالتعليم كخطوة أولى.. هذا وبالله التوفيق.