خلال دراستنا الجامعيَّة في الدِّراسات العُليا في أمريكا، كنَّا نحرصُ

على شراء كتب المقرَّرات الدراسيَّة المستعملة، التي تتوفَّر -كمَا أتذكَّر- لكلِّ مواد الماجستير والدكتوراة، وتُباع إلى جانب الكتب الجديدة في متاجر بيع الكتب في الحرم الجامعي، ولا يُستثنَى من ذلك جامعة دون أخرى. وكان يرجع حرصنا على شراء الكتاب المستعمل دون الجديد إلى سببين: أولهما -بالطبع- سببٌ اقتصاديٌّ، فثمن الكتاب المستعمل يصل إلى نصف ثمن الجديد، إن لم يقل عنذلك، وهو ما يوفِّر علينا مبالغ جيدة، تفي بمتطلبات حياة المبتعث القاسية التي ازدادت قسوةً هذه الأيام. وثانيهما سببٌ علميٌّ وأكاديميٌّ، وهو الأهم، فمعلوم أنَّ كتب المقرَّرات الدراسيَّة في أمريكا -وكذلك الحال عندنا- يسجل الطالب عليها ملاحظاته، وشروحه، ويستعمل (المظهِّر ) باللَّون الأصفر على السطور، والفقرات المهمَّة في كلِّ فصل بدقَّةٍبالغةٍ، بما يشبه تسجيل رؤوس الأقلام، وتحديد الأفكار المهمَّة الجوهريَّة التي ينبغي أن يركِّز عليها الطالب، وبذلك يوفِّر على مشتري الكتاب جُهدًا ووقتًا عظيمين، إضافة إلى ما يوفِّره من المال كما أسلفت، لذلك كنَّا نرى إقبالاً كبيرًا على شراء الكتب المستعملة في مرحلتي الماجستير والدكتوراة، وكذلك البكالوريوس، ولذلك كانت هذه الكتب المستعملة تنفد بسرعة، وكنا نتسابق على شرائها.

وخلال تجربة في التعليم الجامعي -امتدَّت لأربعين عامًا أو يزيد-، لم أجد أيَّ اهتمام بالكتاب المستعمل في جامعاتنا السعوديَّة، ولم أرَ أيَّ متجر لبيع الكتب المستعملة إلاَّ مؤخَّرًا، ولا أظنُّ أنَّه قد نجح كثيرًا؛ لعدم وجود هذه الثقافة لدى طلابنا خصوصًا، وفي المجتمع عمومًا، أضف إلى ذلك أنَّ دور النشر وبيع الكتب يغلب عليها الطمع، فلا ترغب في ترويج هذه البضاعة التي لا تدرُّ عليها إلاَّ دراهم معدودة، بمقابل الكتبالجديدة التي تُباع بأسعار فلكيَّة، كما نعرف جميعًا، وتثقل على الطالب المُثقَل أصلاً بأعباء وتكاليف مسيرته الجامعيَّة. ومن جهة أخرى أعلمني بعضُ الطلاب أنَّ المتاجرَ القليلة جدًّا التي تبيع الكتاب المستعمل تبخس ثمنه عند شرائه من الطالب؛ بحجَّة أنَّ بيعه غير مضمون، وهي حقيقةٌ ولا شكَّ، وغالبًا ما يشترى الكتاب بعُشر ثمنه، أو أقل.

أمَّا السببُ الأهمُّ في عدم رواجهذه التجارة، فيعود إلى إهمال طلابنا في مجملهم، وسوء عنايتهم واهتمامهم بالكتاب الذي يتلف بعض الأحيان في أيديهم بشكل كامل خلال فصل دراسي واحد، خلاف ما كنَّا نراه من عناية فائقة بالكتاب في الغرب، فلا تستطيع في معظم الأحوال أن تتبَّين الجديد من المستعمل إلاَّ إنْ فتحت الكتاب، أو لاحظت الشريط الأصفر الملصق على غلافه، المكتوب عليه كلمة ( Used)، أومستعمل، لذلك لا تتوفر كميات مناسبة من الكتب الصالحة لإعادة الاستخدام مرَّات ومرَّات، كما يحصل في أمريكا مثلاً، ولا يستطيع المتجر أنْ يوفِّر الكميَّات المناسبة الجيِّدة للطلاب التي يكثر الطلب عليها، وفيما يتَّصل بكتابة الملاحظات أو تحديد الأسطر والفقرات المهمَّة، فإن ذلك يندر حدوثه عندنا، وكثيرًا ما يدوِّن الطالب ملاحظاته في أوراق خارجيَّة، وكلُّ ذلك لا يمنع من التشجيع على المضي قُدمًا في بيع وشراء الكتب المستعملة، لتغيير ثقافة الحرص على الكتاب الجديد دائمًا، كما ينبغي حثَّ الطلاب على المحافظة على الكتاب، والاعتناء به ليس لغرض إعادة بيعه مثلاً، ولكن لاحتمال الاحتفاظ به في مكتبة الطالب المستقبليَّة، كما فعل أبناء جيلنا، كما ينبغي تشجيع دور النشر وبيع الكتب التي تنتشر حول الجامعات على نشر إعلانات لبيع وشراء الكتب المستعملة، التي يمكن أن تدر عليهم أرباحًا مناسبة إن أصبح شراء الكتاب المستعمل ثقافة عند الطالب الجامعي.