أتذكر في هذا السياق الروائي كاتب ياسين، عندما سُئل عن المقدمات الكثيرة التي يكتبها للشباب، أو لمن اختاروا مسلك الأدب: أكتب هذه المقدمات لأنها تشبهني في سخائي، هي أولاً وأخيرًا، مناصرة لحرف ولتجربة اختارت الأدب، أي الطريق الأصعب في الحياة، كيفما كانت القيمة التي يحددها النقد لاحقًا، وليس المبدع، ثم قال في مكان آخر، وهو يقدم للروائية الجزائرية آمنة شاكرة، روايتها الأولى، المغارة المتفجرة: في بلادنا اليوم، امرأة تكتب، تقاس كلماتها بميزان البارود، يجب طبعًا تحديد السياق العام لأن آمنة شاكرة كتبت في عز الثورة التحريرية مدافعة عن الحق في التحرر من نير الاستعمار الذي سرق كل شيء بما في ذلك حق القول والصراخ من أجل الكفّ عن المظالم، ربما كان هذا مدخلي في هذه الكلمة التي ليست نقدًا ولا يقينًا إبداعيًا ولكنها مجرد ترحيب بصدور ديوان الشاعرة سليمة مليزي الأول، من حيث النشر: على حافة القلب الذي جمع بين دفتيه تجربة إنسانية يتقاسمها موضوعان أثيران على الشعر العربي، أولاً الحب بوصفه قيمة إنسانية متعالية، بكل تفرعاته، الحنين، الفقدان، الذاكرة، الوجع، الرحيل، الغضب، الخيبة، اليأس، الأمل (قصائد: علّمني، مواسم الرحيل، ارحل أيها الوجع، أنثى بعمر الضياء، اشتهي رؤيا...) وعلى الرغم من المظهر الذاتي لهذا الحب، إلا أن سليمة تتخطّى الكائن المفرد ليصبح هاجسها حالة جمعية واجتماعية أيضًا، الذاتية تنصهر في ما هو عام يشغل الإنسان في يومياته إما يدفع به إلى الأمام أو يكسره بقوة، وكأن على المرأة عندما تحب في مجتمعاتنا العربية الشديدة الشبه فيما بينها، في معوقاتها وانكساراتها، أن تستأذن قلبها أو من يشرف عليه؟ لأنه كثيرًا ما ينصِّب الآخرون أنفسهم أوصياء عليه.

حالتها الوحيدة الحرة داخليًا هي قدرتها على الحب والاستمرار في العيش، مهما كانت قسوة ما يحيط بها، ويتحكم أحيانًا في تصرفاتها، كلما رفعت رأسها لتكون، جاء من يذكرها بأنها ناقصة عقل ودين، حتى ولو كانت في أعلى المراتب الاجتماعية، أديبة كبيرة، أمًّا عظيمة مشرفة على تربية أبنائها، عالمة، رئيسة أو ملكة، قاضية تحكم بالعدل، بفضل عقلها وجهدها، يتساوى كل شيء أمام المعادلة القهرية التي تسندها الأعراف التي تحولت إلى معطل لكل تقدم، ودين تمّ الزج به في معضلات سياسية هو براء منها، لدرجة أن حوله التطرف إلى وسيلة لتبرير الضغينة والجهل، كلها موضوعات اختارتها الشاعرة لتجعل من نصها شعرًا عاطفيًا وإنسانيًا واجتماعيًا، لا شيء يفلت من زاوية النظر التي اختارتها، لهذا كان الموضوع الثاني يحاذي البعد الإنساني والقومي الذي عبرت عنه سليمة من خلال جيل الشهداء، ومنهم والدها، الذين منحوا أرواحهم بسخاء محبة في شيء كبير اسمه العدالة والحرية، والأرض (وليمة الانتصار، للفقراء حب مؤجل، الحرف وإيقونة الانتماء وغيرها من القصائد التي أحيت النفس الحماسي والملحمي في القصيدة العربية)، الوطنية ليست شعارًا ولكنها رؤية أيضًا تربط الماضي بالمآلات، وهو ما حاولت سليمة أن تسير على هديه بحاستها الشعرية التي ما تزال في لحظاتها الأولى. حتى تعاطفها مع القضايا العربية، فلسطين مثلاً ليس فعلاً ضافيًا ولكنه ينبع من نفس الحماس الداخلي (غزة تئن، صلبوا دمي) ولا يخرج عن هذه الخيارات الإنسانية والقومية، في هذه القصائد وغيرها مما قرأت للشاعرة أو سمعته في أمسيات عديدة، تضع سليمة الوطن والحق والحرية في مقدمة الحالة الإبداعية التي تنشأ داخل أسئلة الراهن القلقة، وفي صلب الوجدان الممزق، بين حلم ولد كبيرًا، ووضع غير مريح، بل مضادًا لما تمناه الأوائل واللاحقون بعدهم، نسمّي ذلك في الشعر وفي السياقات الأدبية الأخرى، بنية الخيبة، التي لم تعد جزائرية أو مغاربية ولكنها شملت العالم العربي كليًا وهو يواجه مصائر شديدة القسوة، فُرضت عليه، ربما أجمل ما في قصائد سليمة، بغض النظر عن قلق الكتابة، هي روحها المتفائلة دائمًا، المجموعة دعوة للحلم في عالم ينطفئ ويختفي بهدوء وسكينة، في غياب كلي للجهد الإنساني باتجاه الحب والسلام والخير، قد تكون ظلال الرومانسية الشعرية هي الغالبة في النهاية، وقد تكون بعض الخطابات الشعرية في الديوان تنقص من صفاء المادة الأدبية، لكن تظل سليمة، مثل غيرها من التجارب النسوية الجديدة صوتًا حيًا في الكتابة الشعرية تحدوه الرغبة لكتابة نص مغاير يبحث عن شرعيته في عالم شديد التعقيد.