ما زلتُ احتفظُ باستمارة عبَّأتُها للدِّراسة بالجامعة، لكنِّي لم أوقِّع عليها، بلْ ذيَّلها والدي بتوقيعه؛ لكي تُقبل أوراقي مهما كانت نتيجتي في الثانويَّة. وحين سافرتُ للدِّراسة في أمريكا، لم تقبل الجامعة هناك توقيع شخص غيري على أوراق طلب التحاقي بها: لأوَّل مرَّة كان توقيعي معتمدًا، وكنتُ أنا مُلزمةً به كفردٍ مستقلٍّ، لأوَّل مرَّة شعرتُ بمسؤوليَّتي تجاه نفسي، إنسانة كاملة الأهليَّة.

حين عملتُ كوكيلةٍ للقبول والتسجيل في الجامعة، بعد سنين، عدتُ لاستقبال طلبات الالتحاق من الطالبات المستجدَّات، وكان الشرط ما زال قائمًا: توقيع ولي الأمر بالموافقة على الدِّراسة. وأكثر ما أحزنني هو أنَّ زوجَ أيِّ طالبة كان له الحقُّ أنْ يسحبَ ملفَّها، ويطوي قيدَها خلال دراستها مهما كانت متميِّزة. في مقابل موافقة ولي الأمر هناك دائمًا احتمال رفض ولي الأمر، وهو حقٌّ يمارسه دون شرط أو قيد، ولا يتمثَّل في منح المرأة بركاته، أو منعها في موقف واحد، بل هو حقٌّ يضمن له التحكُّم بها باستمرار، ففي سبيل إرضائه، والحصول على موافقته تضطر المرأة إلى الانحناء والمساومة، والحرص على عدم إغضابه، أو تعكير مزاجه، فهي تعلم من كل موقف في مسيرة حياتها أنَّ هذا الوليَّ يتحكَّم في مصيرها بكلمةٍ أو بتوقيعٍ، بصمتٍ أو بإهمالٍ.

حين كانت بطاقة الهويَّة الوطنيَّة مرتبطةً بموافقته، لم تحصل عليها إلاَّ قلة من النساء، كان الوليُّ معارضًا ليس حرصًا على المرأة، لكن خوفًا من نقص سلطاته عليها. لم تصبح الهويَّة حقًّا للمرأة دون حاجة لموافقة ولي الأمر إلاَّ لدوافع أمنيَّة بعد أن وصل الاستغلال مداه، وبعد أن ضاعت الحقوق، وتفشى تزوير حضورها تحت الأغطية السوداء، بلا وجه، ولا بصمة، ولا إمكانيَّة للتحقق من هويَّتها. في جواز سفر قديم لعمة والدي، بلا صورة، خلت خانات الأوصاف من أيِّ إشارة إليها، وكان كافيًا أن تكون: «امرأة معفاة من الوصف».

في وقتنا الحاضر يمكن للمرأة أنْ تحصلَ على بطاقة الهويَّة الوطنيَّة بسهولة، لكنَّها حين تريدُ إصدار جواز سفر، أو تجديده، أو تصريحًا بالسفر، تنحدر لوضعها السابق: صفر بحاجة إلى ولي أمر يحمل عن كاهلها مسؤوليَّة نفسها. ولو كانت الأوضاع مثاليَّة لهان الأمر، فالفتاة حين تكون في حمى والدها الحنون، قد لا تتأفَّف كثيرًا، ولن يضرها هذا الوضع إنْ كان لها زوجٌ كريمٌ لا يتنقصُ من قدرها، ولا يُعقِّدُ أمورها، لكن أن تصبح كسقط المتاع يُلقي بها هذا ليتلقَّاها ذاك، فهذه هي حالة الضيق والاختناق بعينها.

تنتقل ملكيَّة المرأة من الأب إلى الزوج، ومن الأخ إلى الأبناء، ومن العم إلى أولاده، ومن الأجداد إلى الأحفاد، ومن الأقرب إلى الأبعد، المهم أنَّ هناك رجلاً يتملَّك ناصيتها، ويتحكَّم في كلِّ شؤونها. ولي الأمر هو شخص يضع النظام أمر المرأة بيده، ويجرِّدها من قدرتها على إدارة خصوصيَّات حياتها، مادام بيده صكُّ الولاية. في كثير من الأحيان تبحث المرأة في أماكن لم تزرها قط، وبين وجوه لم ترها في عمرها عن رجل آل إليه أمرها، غريب عنها تمامًا يتحوَّل إلى مسؤول عن أدقِّ تفاصيل حياتها، وهي وحظها.

تمتدُّ سلسلة العصَبة الذكوريَّة من الأب لتصل إلى رجال المجتمع وقوانينه. حين يعترض رجل في المجتمع على تعبير حريَّة المرأة فهو لا يعترف بالتعبير المضاد لتلك الحريَّة، وحين يردد مقولة نحن لا نرضى بقيادة السيَّارة لنسائنا، فهو لا يقصد نساءه هو فقط، بل كل النساء حتَّى وأولياء أمورهنَّ قد ارتضوها لهنَّ. قد تتولَّى المرأة أمر الشورى، وأمر التعليم، وأمور المصارف والأسواق الماليَّة، لكنَّها تظلُّ عاجزةً عن تولِّي أمرها الخاص بها.