لم نكن نتوقَّع أن يصل بنا برنامج الأمم المتحدة للتمكين الاقتصادي للمرأة، إلى اعتبار استغلال المرأة، وتجارة الرقيق الأبيض أمرًا مشروعًا من خلال التوصية بتقنين استغلال المرأة كعامل من عوامل تمكين المرأة اقتصاديًّا، وذلك بناءً على تقرير لجنة الخبراء الذي ستعتمد عليه لجنة المرأة في إعداد الوثيقة التي ستطرح وتعتمد في الجلسة ٦١ CSW61، التي ستُعقد في نيويورك بعد أسابيع، ففي صفحة (16) من التقرير، وتحت عنوان «العمل بتجارة الرقيق الأبيض» يوصي بالآتي: «الاعتراف بتجارة الرقيق الأبيض كعمل للمرأة، والتأكيد على حصول تلك النسوة على الرعاية الصحيَّة، والحماية الاجتماعيَّة، وعدم التمييز ضدَّهنَّ في القوانين والسياسات الوطنيَّة، واعتبار منظمات استغلال المرأة مؤسَّسات شرعيَّة، وعدم تجريم العمل بتجارة الرقيق الأبيض قانونيًّا».

وهنا نجد أنَّ هذه التوصيات خالفت الآتي:

1- الديانات السماوية الثلاث التي يُشكِّل سكانها (55.2%) من سكان العالم، والهندوسيَّة، والبوذيَّة التي يشكل سكانها (22%) من سكان العالم.. وجميعها تُحرِّم تجارة الرقيق الأبيض.

2- ما جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة: «أنَّنا نؤكد إيماننا بالحقوق الأساسيَّة للإنسان، وبكرامة الفرد وقَدْره، وبما للرجال والنساء والأمم -كبيرها وصغيرها- من حقوق متساوية».

3- اتفاقية حظر الاتجار بالأشخاص واستغلال جسد الغير التي اعتمدت في 2/12/1949م، وبدأ العمل بها في 25/7/1951، وقد جاء في الديباجة: «لمَّا كانت تجارة الرقيق الأبيض، وما يصاحبها من آفة الاتجار بالأشخاص لأغراض استغلال جسد المرأة، تتنافى مع كرامة الشخص البشري وقدره، وتعرض للخطر رفاه الفرد والأسرة والجماعة».

هذا وقد نصَّت المادة الأولى على: «يتفق أطراف هذه الاتفاقيَّة على إنزال العقاب بأيِّ شخص يقوم، إرضاءً لأهواء آخر: 1- بقوادة شخص آخر، أو غوايته، أو تضليله، على قصد استغلال المرأة، حتَّى برضاء هذا الشخص. 2- باستغلال جسد شخص آخر، حتَّى برضاء هذا الشخص».

والمادة الثانية: «يتَّفق أطراف هذه الاتفاقيَّة، كذلك، على إنزال العقاب بكل شخص: 1- يملك أو يدير ماخورًا لاستغلال المرأة، أو يقوم عن علم، بتمويله، أو المشاركة في تمويله. 2- يؤجِّر أو يستأجر -كليًّا أو جزئيًّا- وعن علم، مبنى أو مكانًا آخر لتجارة الرقيق الأبيض».

فهذه مواد صريحة تُجرّم هذه التجارة، وتُعاقب مَن يملك أو يدير بيوت استغلال المرأة أو يُموِّلها.

4- المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما»، وكذلك المادة الخامسة للإعلان: «لا يُعرَّض أيّ إنسان للتعذيب ولا للعقوبات، أو المعاملات القاسية، أو الوحشيَّة، أو الحاطة بالكرامة». وللفقرة (3) من المادة (16) «الأسرة هي الوحدة الطبيعيَّة الأساسيَّة للمجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة». وتجارة الرقيق الأبيض حاطَّة للكرامة وتقنينها يُقوِّض دعائم الأسرة، ويهدد أمنها.

والسؤال: لماذا تناقض الأمم المتحدة ميثاقها واتفاقياتها؟.

واضح أنَّها مُسيِّسة، فهي تُنفذ ما يُطلب منها استكمالاً لتنفيذ مخطط تقسيم وتفتيت البلاد العربية وتدمير البنية الدينيَّة والقيميَّة والخلقيَّة لمجتمعاتها بإشاعة الفاحشة فيها بتقنين تجارة الرقيق الأبيض منتهزين الأزمات الاقتصاديَّة التي تمر بها بعض الدول العربيَّة.

فعلى المفكرين والإعلاميين ومؤسَّسات المجتمع المدني في البلاد العربيَّة والإسلاميَّة، ووفودها المشاركة في اجتماع الجلسة (61) التصدِّي بقوة لمنع إصدار تلك التوصيات لمخالفتها للأديان ومناقضتها لميثاق الأمم المتحدة، وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيَّة حظر الاتجار بالأشخاص واستغلال جسد المرأة.