وهذا عنوان لرواية فرنسية للروائي جيروم فيراري حازت على جائزة تلفزيون فرنسا لأفضل رواية عام 2010م، ونقلها للعربية الأستاذ الدكتور محمد صالح الغامدي، أستاذ اللغة الفرنسية بجامعة الملك عبدالعزيز، نهاية العام المنصرم عن دار مسكيلياني التونسية. تدور أحداث الرواية في أغلب صفحاتها حول الصراع النفسي للبطل الرئيس فيها، النقيب الفرنسي المخضرم (دوغورس)، الذي عاصر أكثر من حرب في فرنسا وفيتنام، وشارك في القضاء على خلايا المقاومة في الجزائر.

تظل ترجمة الإبداع الأدبي قضية جدلية تتقاطع فيها المسائل، وتختلف حولها الآراء. شاركتُ قبل شهرين تقريبًا في مؤتمر نظمه منتدى العلاقات العربية والدولية بالدوحة، تحت عنوان: (الترجمة وإشكالات المثاقفة)، حيث اجتمع حشد من كبار المترجمين المشارقة والمغاربة، الذين أثروا المؤتمر بنقاشات مطولة حول أبرز قضايا الترجمة وإشكالاتها. ولعل أبرز هذه الإشكالات يكمن في ترجمة البعد الثقافي، ومدى قدرة المترجمين على نقل الحمولات الثقافية -بوجهيها السطحي والعميق- التي يحملها النص الأصلي في (اللغة المصدر).

وتضاف للأعمال الأدبية صعوبة أخرى، هي ترجمة البعد الأدبي، أو ما يدعوه النقاد (أدبية الأدب) في هذه الأعمال سواء كانت شعرًا أو نثرًا. حفلت جلسات المؤتمر بأمثلة لترجمة روايات فرنسية شهيرة، حملت أخطاءً سطحية بعضها كارثي، وبعضها غريب مثير للضحك. وقد أجمع المتخصصون على أن حل هذه المشكلات يتطلب «مترجمًا متخصصًا أمينًا وجادًا» يُقدِّر قيمة النص الذي يتعامل معه.

كان مترجم رواية فيراري أمام مهمة صعبة على أكثر من مستوى؛ فالرواية التي بين يديه بسيطة الأحداث، قليلة الشخصيات، وبلا أي مفاجآت تقريبًا. كما أنها محصورة داخل الدهاليز النفسية للشخصية الرئيسة. لكن الخيط الرفيع الذي يراهن عليه المؤلف الضمني هو ذلك الموقف الذي وجد فيه الضابط الفرنسي (دوغورس) نفسه، متأرجحًا بين قيم إنسانية متقلبة بتقلب الظروف؛ فقد شارك بنفسه في خلايا المقاومة الفرنسية إبان الاستعمار الألماني لباريس، وقبض عليه، وكان عرضةً للتعذيب النفسي والجسدي.. وها هو يجد نفسه، بعد عقد من الزمان، يحمل سوط الجلاد ليمارس على (الحاج طاهر) ورجال المقاومة الجزائرية ما مورس عليه من قبلُ من إهانة وتعذيب. يقف العالم بقيمه الإنسانية الكبرى أمام مفترق طرق منذ الصفحة الأولى حين يعلن أحد زملاء النقيب أن الحاج طاهر، قائد المقاومة النبيل والعدو الخلوق، قد شنق نفسه في الزنزانة.. ليبدأ رحلةً من الأسئلة المرة، والمقززة أحيانًا، حول قيمة الإنسان لدى الإنسان ذاته!!

أزعم أن الترجمة قد نجحت بتميُّز في انتشالي وغرسي داخل الحبكة، بطريقة أصبحتُ معها قادرًا على تحسس الألم، والشعور بالمرارة، وإدراك معنى الفقد، وسماع طقطقة العظام المهشمة، وشم رائحة الدم النتنة. لقد جعلتني الرواية، عبر مترجمها، أسأل الأسئلة ذاتها التي يسألها النقيب (دوغورس) حين أجبرته الظروف أن يتجرد من إنسانيته، ويضيع في متاهات الكراهية والانتقام باسم الوطنية والشرف والحفاظ على دم الأبرياء...!! ولو بحث متخصصو الترجمة الأدبية في مؤتمر الدوحة عن مثال نموذجي، لوجدوها هناك.. في ترجمة الدكتور الغامدي... «حيث تركتُ روحي».