قد يبدو لنا أنَّ الاعتراضات التي تواجه أنشطة هيئة الترفيه تمثِّل رفضًا للترفيه في حدِّ ذاته، لكنَّ الحقيقة تكمنُ في التفاصيل. هنالك إجماعٌ -بلا أدنى استثناء- أنَّ الترفيهَ ضرورةٌ، وحتَّى أكثر الناس تشدُّدًا يؤمن بأنَّ الترويحَ عن النَّفس ضروريٌّ؛ لئلا تكلَّ وتعمى، فتصبح رهينةَ الإحباط والاكتئاب. القاعدةُ المتَّفقُ عليها هي أنَّ الروتينَ قاتلٌ، وأنَّ كسرَ دائرته والانطلاق خارج حدوده التقييديَّة يحافظ على نشاط الذهن، وحيوية الصحَّة النفسيَّة.

ينشأ الاختلافُ والتصارعُ حول كيفيَّة الترفيه، وحول مكان الترفيه، فهذه الحركة الشرسة ضد أنشطة هيئة الترفيه، لا تحرِّكها الفكرة، بل المحتوى والموقع. لذلك فقد كانت ردَّة الفعل هذه متوقعةً، ولا غرابة فيها، ذلك أنَّ لغة الاختلاف الغاضبة، وحُججها، وأدلَّتها هي ذاتها التي تُستخدم مع كلِّ طارئ على المجتمع، فقد انطلقت مع التحرُّك لتعليم المرأة، ومع الابتعاث للدِّراسة، ومع كل مجال لعمل المرأة، وهي نفس اللغة التي عارضت المذياع، والهاتف، والتلفزيون، والدشات، والفضائيَّات، والجوَّالات، والجوَّالات المزودة بالكاميرات، وشبكة الإنترنت. كل صغيرة وكبيرة من موجات التغيير التي يمرُّ بها المجتمع لا بدَّ أن تواجه هذه المقاومة بحذافيرها، ثمَّ نجد أولئك المقاومين لتأثيرها يخضعون لها، ويسارعون للانضمام لصفوف المستفيدين منها. يتعالى ذلك الخطاب الراسخ في مكانه، والرافض لكلِّ شيءٍ من خلال تلك الوسائل المرفوضة بعينها، والتي تمَّ التحذير من ويلها وثبورها، ليصل إلى الناس في كلِّ مراحل تغيرهم.

يتغيَّر المجتمع باستمرار، من خلال كلِّ التأثيرات الهائلة التي تجيء إليه، وكلّ الموجات العاتية التي يذهب إليها، فالمجتمعُ ليس ثابتًا على حال واحد، ولا أفراده متجمدون في وضع التصلُّب، لكنَّ الخطاب وحده لا يتبدل، ولم يحاول أصحابه أن يدركوا أنَّه لم يجدِ نفعًا في مقاومة كلِّ ما سبق، وبالضرورة لن يجدي نفعًا في مقاومة كلِّ ما سيأتي. حين تكتفي صفوف الممانعة لكلِّ مُستجد بتحريمه، وتصنيفه على أنَّه معصية، ومجون، ومخالف لثوابت الدِّين، ثمَّ تناقض نفسها بقبوله وتبنيه واستخدامه، فهي تفقد مصداقيَّتها مرَّة تلو الأخرى.

كل ما يعترض عليه الرافضون لبرامج هيئة الترفيه هو نفس ما اعترضوا عليه من قبل: الموسيقى والاختلاط. هذا هو أساس الغضب، فوجود المرأة في أيِّ مكان إلى جانب الرجال شبهة لابدَّ أن تحوله إلى مكان لارتكاب الرذائل. والموقف المتشدِّد من المعازف والمزامير معروف ومتكرر. لكنَّ الحقيقة أنَّ الناس قد سمعوا وقرأوا وأدركوا أنَّ هذه مسائل خلافيَّة، وأنَّ هناك مذاهب تحلِّل وتجوِّز، وأنَّ مساحة الإباحة واسعة.

كان هذا المحتوى، أمَّا المكان فهو الفضاء العام الذي يجب أن يكون تحت السيطرة التي لا يجيدها كثير من المسؤولين في مؤسَّسات الدولة، ولا الناس العاديون المعرَّضون للوقوع في الخطايا باستمرار، بل يجب أن يقوم بها وعليها أشخاصٌ بعينهم، نصَّبوا أنفسهم حرَّاسًا للفضيلة، وأوصياء على غيرهم، إنْ هم غابوا فقدْ عمَّ الفسادُ. لذلك فإنَّ المعارضين يعرفون أنَّ قناعات الناس لم تتأثر بالخطاب المُحارب لمحتوى الترفيه، فالموسيقى جزءٌ من حياة معظم أفراد المجتمع، يسمعونها في بيوتهم، وفي أفراحهم، وفي سفراتهم خارج البلاد. كذلك فإنَّ الاختلاطَ واقعٌ لا مفرَّ منه، فالمجتمعُ يتحرَّك ككتلةٍ واحدةٍ في الأسواق، والمستشفيات، والمطارات، وبيوت العبادة الأكثر قدسيَّة، وذلك شأنهم في الخارج.

الصوتُ المعارضُ للترفيه لا يرفضه كفكرة، ولا كمبدأ، هو فقط يريده تحت إشرافه ووصايته، يريد ترفيهًا ينظِّم هو برامجه حسب ذوقه ومعاييره، ويعرض منها ما يجده هو مسلِّيًا، وما يراه هو مضحكًا. الترفيه كما ألفناه في فعاليَّات المهرجانات السابقة هو الصيغة الوحيدة المقبولة شكلاً وموضوعًا، وكلّ خروج عنها هو المرفوض والمنبوذ.