أخيرًا أصبحت معارض الكتاب مظهرًا اجتماعيًا وثقافيًا مألوفًا في مدن المملكة، ويُمثِّل حضورها عُرسًا يكون الكتاب مركزه، بحضور عشرات الآلاف من مختلف طبقات المجتمع.

لم يعد حضور معارض الكتاب يثير التشنج المعهود لأصواتٍ طالما ثارت ثائرتها كلما أعلن عن تنظيم برنامج ثقافي، أو استضافة دور نشر من شتى مدن العالم؛ فالكتاب قبلة للتنوير، ومصدر خلاصٍ للفكر البشري، ولا يمكن أن يكون تهديدًا للمجتمعات.

معرض الكتاب ظاهرة حضارية، ومظهر من مظاهر المدنية الحديثة، وقد أثبتت الأيام للمتوجسين من كل فعالية ومعرض، أن الكتاب لا يقود إلا إلى المعرفة والإصلاح والتقدم، ولم يكن كل ما يُحذِّرون منه ويخشونه غير مجموعة من المخاوف التي لا أساس لها.

ينطلق معرض الرياض للكتاب هذه الأيام في مناسبةٍ أشبه بالمهرجان الثقافي، ويشهد المتابع تحوُّلًا في الخطاب الاجتماعي الذي يسبق افتتاح المعرض؛ فبعد أن كانت لغة التوجس تسود هذا الخطاب، تغيَّر الحال ليكون النقاش حول ما يُمكن أن يُضيفه المعرض من جديد: يشتكي البعض من تكرار العناوين وعدم قدرة المعارض على مواكبة الجديد، ويرى آخرون أن الفعاليات المصاحبة لا ترقى وحجم المناسبة، فيما يعترض البعض على توقيت المعرض، وعلى مكانه، وعلى قصر وقته ربما. وهذا تحولٌ واضح في الموقف الاجتماعي بلا شك.

لكننا -رغم ذلك- نشهدُ ظواهر أخرى بدأت تطغى على السطح، وتحتاج إلى النظر والتحليل؛ منها -على سبيل المثال- النزعة الجديدة لدى شريحةٍ كبيرة في الشهرة، وخوض غمار النشر دون معرفةٍ حقيقيةٍ بشروط الكتابة وآلياتها، وساعد على تفشي هذه الظاهرة بروز عدد من دور النشر التجارية البحتة، التي لا تعطي الجانب المعرفي حقه من الاهتمام، فتستدرج الشباب للنشر طمعًا في المادة فقط.

أعلمُ أن اهتمام الشباب والشابات بالكتابة والنشر والثقافة خيرٌ من اهتمامهم بالسطحي من العادات والهوايات، وهناك من يرى أن محاولة الشباب كسر الحاجز النفسي والاجتماعي، والتجرؤ على النشر مرحلةٌ مهمة تُكرِّسها ظاهرة النشر في المعارض، وقد يكون في ذلك وجهة نظر، لكن دعونا لا ننسى أن الكتابة فعلٌ ناضجٌ وواع، يجب أن يعطيه الكاتب والكاتبة حقه من العمل والدربة والنضج الثقافي، قبل أن يبادرا بالنشر.. أي أن الشباب في حاجة أن يكون هدفهم الأول تطوير مهاراتهم الأساسية في التفكير المنظم والكتابة الصحيحة الواعية، قبل أن يُفكِّروا في النشر الإعلامي وطبع الكتب. فحين يُبادرني طلابي بالسؤال عن خطوات النشر، أردُ عليهم: القراءة أولًا.. ثم القراءة ثم القراءة.. وأوصيهم بعدم الاستعجال والانسياق وراء رغبة النشر.

ما أخشاه، وأحذر منه، أن يكون التسرع في النشر عائقًا يمنع الكتّاب الشباب من إنضاج تجربتهم في الكتابة، مما يؤدي إلى تجاوز مراحل مهمةٍ يحتاج الشخص أن يمر بها، لتنضج أدواته في التفكير والكتابة، وقد يكون طلب الشهرة والعجلة سببين في غياب عوامل مهمة لصقل موهبة كاتب قد لا تُمكِّنه الظروف من أن يعود لصقلها.

الأمر لا يختلف كثيرًا عن لاعب كرة القدم الشاب والموهوب.. حينما نزجُّ به في بداياته الكروية إلى عالم الشهرة، قبل أن يُطوِّر مهاراته البدنية والذهنية. من الصعب أن يعود هذا اللاعب -أو ذلك الكاتب- إلى مربع ما قبل الشهرة ليسأل الأسئلة الأولى: أسئلة التكوين والتأسيس.

حينما يسقط هذا اللاعب ويتراجع مستواه، يُردِّد المجتمع عبارةً معروفة: (فلان حرق نفسه).. الأمر نفسه ينطبق على الموهوبين والموهوبات ممَّن تتنازعهم شهوة النشر.. لا تحرقوا المراحل.. فتحترقوا!