هل كان العالم العربي بانتظار صفعة البوعزيزي حتى ينفجر غضباً وينشطر عجزاً؟!.. أتصور أن هذا تبسيط مُخل جداً، وأن ما شهدته وتشهده المنطقة من اضطراب، وتدهور حاد على مستوى الأمن الإقليمي، يعود إلى أسباب أكبر، بعضها قد يتصوره البعض بعيداً، مثل الأزمة المالية العالمية التي فجرها في عام ٢٠٠٨ فجور تعامل بعض البنوك الأمريكية، في سوق الرهن العقاري، ومثل موجة جفاف ضربت حزام القمح العالمي، وقادت إلى ارتفاعٍ حاد في أسعاره، جاء متزامناً مع الأزمة المالية العالمية، ما فاقم من أزمات اقتصادية في دولٍ فقيرة مستوردة للقمح، قادت بدورها إلى احتقان اجتماعي وسياسي في مجتمعات لم تمتلك بعد آليات وأدوات فك الاحتقانات خارج نطاق العنف.

أيضاً، فإنني أتصور، أن التطور التقني الهائل لوسائل الاتصال، كان سبباً في الثورات والاضطرابات، كما كان وسيلة رئيسية في انتشارها على نطاق إقليمي واسع، بل إنني على استعداد للمخاطرة بتبني والدفاع عن فكرة إن ما يُسمَّى بثورات الربيع العربي، ما كان ممكناً أن يحدث أصلاً، في غياب الإنترنت كوسيلة اتصال، ومواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة تواصل.

«موت الكاريزما»، هو أخطر توابع زلزال ثورة تقنيات الاتصال، فالكاريزما وأصحابها يدينون للغموض والظلال، بأغلب ما استحوذوا عليه من هيبة، ثم جاءت الهواتف الذكية المحمولة لتكشف عورات الهيبة، وتسجل على مدار الثانية، كل ما يقع من رموز الزعامة والنجومية من خطايا وزلات.

ثورة تقنيات الاتصال، أضاءت مصابيح الحقيقة داخل الغرف المغلقة، واستوقفت اللحظات العابرة، فبددت قدرا كبيراً من هيبة أنتجها الغموض، ومع الانكشاف، جاءت الاستباحة، التي أتاحت للغاضبين في الشوارع أن يتجرأوا على الرموز، وأن يجاهروا بالسعي لإسقاطها.

ما يُسمَّى بثورات الربيع العربي، لم تقع بسبب صفعة البوعزيزي، وإنما وقعت لأسباب بعضها من خارج المنطقة مثل الأزمة المالية العالمية وتداعياتها، أو لأسبابٍ من داخل المنطقة، بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعي، لكن أهمها في تصوري كان «تقنياً»، فقد أتاح انتشار الهواتف المحمولة الذكية، إمكانيات هائلة للتواصل بين غير متواصلين، وللتأثير بين غير متأثرين، وللحركة بين من لم يكونوا يوماً من الحركيين. حتى صفعة البوعزيزي كانت ستصبح واقعة معتمة لا يراها أحد، لولا ثورة تقنيات الاتصال.

وكما أزاحت تلك التقنيات مساحات هائلة من الظلال، وأضاءت مناطق اعتاد الناس على رؤيتها معتمة، فقد أنتجت وروجت أيضاً صوراً ملتبسة أو غير دقيقة أو حتى ملفقة في بعض الأحيان عن بعض من جرى تقديمهم كرموز للثورة، حدث هذا في تونس، وحدث أيضاً في مصر، وأذكر ان إحدى (شهيدات الثورة)، التي وضعت صحيفة المصري اليوم ، صورتها بالصفحة الأولى ضمن من قالت عنهم إنهم «الورد اللي فتح في جناين مصر» لم تمت في أي من ميادين الثورة، وإنما ماتت -طبقاً لرواية أمها- أثناء محاولتها القفز من شرفة منزلها في سوهاج بصعيد مصر، للانضمام إلى المتظاهرين بعدما منعتها أمها من الخروج.

سالي زهران، وهذا هو اسمها، حوّلتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي إلى أيقونة لثورة لم تشارك فيها سوى بمشاعرها، وهكذا، فكما أطفأت تقنيات الاتصال كاريزما «الزعيم» فإنها أشعلت كاريزما الثورة، وروجت لبعض وجوهها باعتبارهم رموزاً، ما لبثت الأيام أن كشفتهم رمزاً إثر آخر.

ما أمكن رصده من تأثير تطور تقنيات الاتصال على مجتمعاتنا، مازال أقل بكثير من الحقيقة، إما لأن الأثر ما زال خارج نطاق المرئي والملموس، وإما لأن أدواتنا في رصده ما تزال قاصرة عن قياس مداه، وإما لأن بَعضَنَا قد انشغل عن الحقيقة بفبركة الصور، وترويج الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، باتت باستخداماتنا «مواقع للتفاصل الاجتماعي».