منعطفٌ جديدٌ، وتحدٍ آخر، تمرُّ به الأنديةُ الأدبيَّة، وهي تستعدُّ -على ما يبدو- لتغيير مجالس إداراتها الحاليَّة، بعد أن انتهت فترتهم، ومُدِّدت أكثر من مرَّة. تذكر الأخبار المسرَّبة أنَّ الوزارة أوعزت، أو أنَّها بصدد الإيعاز لمجالس الإدارة الحاليَّة، بأن تبدأ الترتيب لبرامج انتخابات المجالس الجديدة، وسط حالة من الترقُّب يشهدها الشارعُ الثقافيُّ الذي انقسم بين مُؤيِّدٍ للانتخابات، ومعارضٍ لها.

يرى المعارضون للانتخابات أنَّ التجارب الأولى قد أخرجت للعلن مظاهر غير صحيَّة، يرون أنَّها جلبت للثقافة قومًا لا علاقة لهم بعالم الثقافة، يرون كذلك أنَّ هناك مَن استغلَّ العمليَّة الانتخابيَّة لإشباع نهمه في الظهور، وحبِّ المراكز؛ ما أدَّى إلى طغيان المحسوبيَّات، وسيطرة الانتماء القبلي على لعبة الأصوات. وليس جديدًا أنَّ هناك مَن يرى أنَّ مجتمعنا جديدٌ على الممارسات الديمقراطيَّة، ولم ينضج كفايةً ليفهم الأبعاد والأهداف السامية التي تسعى الديمقراطيَّة بصورها المختلفة لتحقيقها وتكريسها.

غير أنَّي أرى الأمرَ من زاوية أخرى.. فالأنديةُ الأدبيَّةُ -مهما قِيل عنها- لا تزال تلعب دورًا مهمًّا في قيادة الثقافة في المجتمع، فهي تُوفِّر منبرًا حضاريًّا للنقاش وتبادل الآراء، والتلاقح الثقافيِّ بما تُنظِّمه من ندواتٍ ومؤتمرات يشهدها مُثقَّفون من مختلف الأقطار. وهي قبلة للمواهب الشابَّة، تساهم في تنمية إبداعهم، وتطوير طرق تفكيرهم، بالإضافة إلى ما تساهم به من إثراء للمكتبة العربيَّة من خلال مطبوعاتها القيِّمة.

لذلك أجدُ أنَّي لا أتَّفقُ مع الرأي القائل، بعدم جاهزيَّة المجتمع، وعدم نضجه للانتخابات، فحريٌّ بمؤسَّسة تتصدَّر المشهدَ الثقافيَّ، أن تُسابق لتكريس القِيَم التي تؤمن بها، أعني قِيَم الحريَّة، وتقبُّل الاختلاف والتعدُّديَّة واحترامهما. الديمقراطيّةُ ممارسةٌ نخبويَّةٌ يفرض قوانينَها رأسُ الهرم ليُطبِّقها المجتمع بعد ذلك، وأعتقدُ أنَّ الأنديةَ الأدبيَّةَ ملزمة بحمل هذا اللواء.

لا أنكرُ أنَّ التجارب الماضية حملت سلبيَّات مختلفة. فهناك مَن استغلَّها لمصالحه الخاصَّة، وهناك من فهم لعبة التصويت، والتفَّ عليها ليُتوِّجَ نفسه وبقيَّة الرَّبْع المُقرَّبين، وأتفقُ مع مَن يرى في هذه السلوكيَّات تقويضًا لجوهر العمل الديمقراطي. فالانتخابات تنظيم إجرائي، يُفترض به أن يساهمَ في تكريس قِيَم الديمقراطيَّة الأساسيَّة: العدل، المساواة، حريَّة التعبير.

لكني أعتقدُ أنَّ إلغاء الانتخابات، واعتماد التعيين من الوزارة خُطوة للخلف. الحلُّ -في رأيي- أنْ نستمرَ في المحاولة، وكلّي أمل في أن نتجاوز هذه السلبيَّات مع كل دورة جديدة.. لابدَّ أنْ نصلَ يومًا ما إلى تلك اللحظة، التي لن يُصوِّت فيها المنتخِبون لغيرِ الكفء، الذي سيُمثِّلهم خير تمثيل، ويسمع صوتهم، ويُلبِّي احتياجاتهم الثقافيَّة.. مَن يدري!! لعل أجيالنا المقبلة تُدرك الأمرَ أكثر، ويكون خيار الانتخاب أوسع أمامهم.. كأنْ ينتخبوا مُمثليهم في مجلس الشورى.