كنتُ أنظرُ لمصطلح «الهلال الشيعي»، الذي استخدمه الملك عبدالله الثاني بن الحسين ملك الأردن، في لقائه الصحافي مع صحيفة (الواشنطن بوست) عام 2004، والذي عبَّر فيه عن تخوُّفه من وصول حكومة عراقيَّة موالية لإيران إلى السلطة في بغداد، تتعاون مع طهران ودمشق لإنشاء هلال، يكون تحت نفوذ الشيعة، يمتد إلى لبنان، كنتُ أنظرُ إلى ذلك بشيءٍ من اللامبالاة، يقينًا منِّي بأنَّه من شبه المستحيلات، إلاَّ أنَّ الواقع الذي يشهده العالم، في ظلِّ التغيُّرات التي حدثت، أثبتت بُعد نظر الملك عبدالله، وحنكته السياسيَّة، فالحكومات العراقيَّة التي تعاقبت على الرئاسة سلَّمت مفاتيح بغداد، وكافَّة المحافظات الأخرى لإيران، التي أطبقت على العراق تمامًا، وأصبحت تسيطر على السلطة التشريعيَّة والتنفيذيَّة في العراق، وتختار الوزراء والقادة العسكريين الموالين لها لإدارة العراق، وبهذا تكون قد أنهت بناء الجسر الذي يصل طهران بكل من سوريا ولبنان، التي تسيطر عليهما منذ أمد بعيد، وأصبح من الواضح أن تدخُّلها في اليمن يأتي في إطار توسيع خارطة الهلال الشيعي، ليصبح (صنعاء - طهران - العراق - سوريا - لبنان)، وهذا المشروع الذي بيَّتته إيران لم يكن مفاجئًا للدول الكبرى التي تتصارع من أجل السيطرة على هذه المنطقة المهمَّة في العالم، ولم يكن بعيدًا عن عيون مخابراتهم التي تغضُّ الطرفَ حيال هذا المشروع، وتتوق إلى تفتيت الدول العربيَّة وتحويلها إلى دويلات صغيرة وممزَّقة على أساس طائفي ومذهبي.

وإذا كان الملك عبدالله بن الحسين قد رأى في بروز هلال شيعي في المنطقة ما يدعو إلى التفكير الجدّي في مستقبل استقرار المنطقة، ويمكن أن يحمل تغيرات واضحة في خريطة المصالح السياسية والاقتصادية لبعض دول المنطقة، فماذا ينتظر عالمنا العربي بوقوفه موقف المتفرج أمام الخطر الإيراني المتنامي؟!

التصريحات التي يطلقها الإيرانيون، وكذلك التهديدات، يجب علينا أن نأخذها مأخذ الجد، فزعماؤهم يصرِّحون بأنَّ كل دول الخليج تابعة لهم، وأنَّه سيأتي اليوم الذي يستعيدونها فيه، وحسن روحاني نفسه صرَّح لوفد مجلس الأمة الكويتي الذي زار إيران في إحدى جولاته قبل أن يتولى رئاسة الدولة، بأنَّ الكويت حتَّى سلطنة عُمان كلّها ملك لإيران، الأمر الذي يعني أن هناك نيَّة مبيتة لاحتلال هذه الدول، والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا أعددنا لكسر هذا الطموح؟ ولماذا لا نسارع إلى تحقيق المقترح الذي طرحه الملك عبدالله بن عبدالعزيز -يرحمه الله- في تحويل مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة إلى اتحاد خليجي؟! فعدم الاستقرار في الشرق الأوسط يتزايد مع تفاقم الأزمات، والأخطار التي تواجهها دولنا تزايدت هي الأخرى؛ ممَّا يتطلب ضرورة تحقيق مقاومة جماعيَّة في مواجهة التهديدات الخارجيَّة، وهذا لن يتأتى إلاَّ في ظل بروز اتحاد قوي يملك قوة عسكريَّة تحت ظل قيادة واحدة يحسب لها الأعداء ألف حساب.