أدعو المعارضين لتعيين عميدة لكلية الطب بجامعة الطائف، واعتبارهم أنّه اتباعًا لمنهج التغريب، أنّ يقرأوا الكتب التاريخية القديمة مثل كتب: ابن سعد: «الطبقات الكبرى»، الإمام النووي: «تهذيب الأسماء»، والخطيب البغدادي: «تاريخ بغداد»، والسخاوي: «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»، فقد أورد أكثر من (1070) ترجمة لنساء برزن في ذلك القرن، معظمهن من المحدثات الفقيهات، وابن حجر في «الإصابة» ذكر أكثر من خمسمئة امرأة، وفي تقريب التهذيب ذكر (824) امرأة مِمَّن اشتهرن بالرواية حتى مطلع القرن الثالث الهجري، كما أورد في كتابه «المعجم المؤسس للمعجم المفهرس» كثيرًا من شيخاته اللاتي أخذ عنهن العلم، وعن اشتراكه في السماع عن الشيوخ مع بعضهن، ووصف بعضَهُنَّ بأنَّها مصنِّفة وهي عائشة بن عبدالله الحلبية» كما أورد الإمام «الذهبي» قبله في كتابه «معجم شيوخ الذهبي» كثيرًا من شيخاته، وكان يقول عن بعضهن «توفِّيَتْ شيخَتُنا»، وكذلك الإمام ابن تيمية ذكر كثيرًا من شيخاته، ومن الكتب المعاصرة الشاهدة على ذلك: «أعلام النساء» لرضا كحّالة، و»الحركة العلمية النسائية تراث غابت شمسُه» لمصطفى عاشور، وغيرها.. سيجدون قوائم أسماء لعالمات محدثات وفقيهات ومفتيات وقاضيات تعلّمن من رجال، وعلّمن رجال، وأجزن علماء كِبَار في مختلف العصور، أمثال: الأئمة الزهري، والشافعي وابن حنبل، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والسخاوي، وابن عساكر، والذهبي، والسيوطي، والخطيب البغدادي، وغيرهم كثير، فهذا الجانب المشرق من تاريخ المرأة المسلمة الذي يبرز دورها في بناء الحضارة الإسلامية مُعتّم عليه من قبل بعض المُؤرِّخين المعاصرين الذين تجاهلوها في مؤلفاتهم، وكذلك واضعوا مناهج التاريخ في جميع المراحل الدراسية بما فيها تخصص تاريخ في جامعاتنا، والتزامًا مني بالأمانتيْن العلمية والتاريخية رأيتُ من واجبي كمؤرخة أن أُسلِّط الضوء على هذا الجزء المشرق من تاريخ المرأة المسلمة المُعتَّم عليه، ليزول اللبس عن المعارضين، ولترتاح ضمائرهم أنّ الإسلام أجاز تعليم النساء للرجال قبل الغرب، لأنّه يوافق الفطرة الإنسانية، والإسلام دين الفطرة.

إنّ الدراسة التاريخية لعملية تدوين الحديث تبين أنّ أهم جامعي الحديث في القرون الأولى حصلوا على الإجازات في الحديث عن النساء المحدثات، فكثير من النساء العالمات بالسنة كانت لهن مجالسهن العامة حيث يعلّمن ويعطين دروسًا في الحديث للطلبة الذين يحصلون على إجازاتهم مباشرة منهن، وتذكر جوامع الحديث مثلًا في الأغلب أسماء الرجال، مع أنّ النصوص القديمة تثبت أنّ علوم الحديث كانت ثمرة لمشاركة قوية وناجحة لعمل مشترك بين العلماء والعالمات المسلمات، ونجد في كثير من المخطوطات التاريخية لكثير من العلماء أسماء لنساء عالمات درسن ودرَّسن في حلقات دراسية، ولم يكن هناك إبعاد لهن، وكن يحضرن بصفتهن طالبات ومعلمات.

وفي صدر الإسلام كانتْ أمهات المؤمنين وعدد من كبار الصحابيات رضوان الله عليهنّ من روَّاد الحركة العلميَّة النِّسائية، كما امتدَّ عطاء المرأة المسلمة في المجال العلمي والتعليمي عبر العصور، فظهرت الفقيهة والمُحدِّثة والمفتية، والطبيبة، والشاعرة والناقدة الأدبية، وعالمة الفلك والرياضيات التي يَقْصِدُها طلاب العلم، ويأخذ عنها بعض أساطين العلماء.