أقسى الأحلام هي تلك الأحلام التي تختارنا حين نعجز عن استلهام طريقها.. تستجدينا لنعيشها ثم لا نستطيع.

تجربة لقاء بنات دار الأيتام كانت مثل جذوة جمر في يد عارية.. التجربة تعبر عن الألم الصامت لبنات يجهلن والديهن... قدرهن أنهن ولدنا من الخطيئة...!

كان من بين الفتيات فتاة اسمها (عائشة) لونها يشبه البن المحمص وشعرها أسود مجعد وعيناها كالمشعل بين الليل والغسق.. جاء وجودها من ضمن فريق العمل لتصميم برنامج لتأهيل بنات الدار لسوق العمل، لهذا جلست بقربي وهمست لي بأنها سمعت أن والدها يعيش في مدينة بعيدة عن جدة.. ولأننا مولعون نحن البشر لتذوق متعة لقاء الغائب.. استرسلت تسألني أين تقع تلك المدينة؟ وهل هي بعيدة عن جدة؟ وهل يمكن أن أرى أبي إذا سافرت وبحثت عنه؟ واستدركت مباشرة هل خدمة سيارة «كريم» تصل لتلك المدينة؟ في هذه الأثناء حضرت مشرفة الدار وحاولت أن تتحدث عن البرنامج التدريبي التأهيلي.. لكن عائشة بنت الدار كانت كل أحلامها تدور حول الأب الغائب!.. سألت عائشة مشرفة الدار تعرفون مدينة والدي أليس كذلك؟..

أجابتها مشرفة الدار لا أحد هنا يعرف من هما والداك... لكن عائشة ذات مساء تسللت في الظلام إلى مدينة والدها لتبحث عنه، وعادت إلى دار الأيتام بعد أن فشلت في لقاء والدها الحاضر الغائب في وجدانها.

قابلتها في لقاء آخر كانت مثل طائر (مالك الحزين) المودعة المهاجرة التي تحوم بأسًا وحنينًا غريبًا حول الرقعة التي تحب.... سألتها متى تتخرجين من الجامعة؟ تركت السؤال وذهبت لتخبرني وهى منتشية بمحاولتها.. زرت مدينة (أبي).. سألتها كيف عرفت أنها مدينة والدك؟ أجابت ببساطة لأن سكانها جلدهم أسمر مثل البن المحمص. وهمست لي: «تقولون جميعكم أن الحب يولّد الحب فكيف إذًا جئتُ خطيئة؟!!».