في عددها الأخير من العام 2011 سألت النيويورك تايمز عددًا من النقاد الشبان سؤالًا يقول: ما جدوى النقد؟ وقد كان سؤالًا ذا دلالة في ظل التحولات التي تمر بالعالم تبعًا لثورة تكنولوجيا الاتصال وبزوغ قنوات الإعلام الجديد كلاعب رئيس في حياة المجتمعات... كانت الصحيفة الأمريكية تحاول أن تواجه النقاد، حلالي مشكلات التاريخ، بمشكلاتهم التي تهدد مصيرهم. لذلك بدأت الناقدة «كيت روفي» إجابتها بعدة أسئلة: هل آن الأوان لنكتب عن موت الناقد؟ عن عصر تكاثر الآبس (التطبيقات الذكية)؟ هل أصبح الناقد كائنًا لا صلة له بالعصر الحديث؟ تقرر «روفي» أننا في عصر الرأي.. وقد انتهى عصر النقد.. حيث كل مستخدم لـ»فيسبوك.. تويتر.. أمازون».. يمكن أن يكون ناقده الشخصي، بحيث يحكم على الكتب والكتاب، ويتلقى المشاركات ويدير النقاشات في مساحات مفتوحة لا حدود لها. ولذلك يقرر ناقد آخر مشارك في التحقيق يدعى «ستيفين بيرن»: أن عصر التقييم والناقد الخبير والوسيط الدلالي الثقافي قد ولَّى. يشير «بيرن» إلى كتاب (الحرية) لـ»جوناثان فراتزن» الذي حصل على أكثر من 300 رأي من القراء في الفيسبوك في ظرف 6 أسابيع فقط. كتاب آخر حصل على 700 تقييم من مستخدمي موقع أمازون بعد أيام معدودة من صدوره..!! فهل يعني الناقدان الشابان أننا - معشر النقاد - يجب أن نبحث عن مصدر رزق آخر في هذا الزمن..!! الإجابة، ولله الحمد، لا.

تؤكد «روفي» أن أهم دور يقوم به الناقد في خضم هذه الفوضى الكتابية والشتات النقدي.. هو (الكتابة برشاقة وأناقة.. بالتركيز على الجملة البليغة). «روفي» ترى أن تأثير فصاحة الناقد ولغته الراقية في الجماهير لا يزال عاملًا مهمًا لجذب القراء نحو عمل ما، أو كتاب ما.. هذه القوة، التي توقظ الرغبة لدى الجماهير وتقودهم لاكتشاف الأعمال العظيمة دليل على أهمية الناقد البليغ. بينما يرى «بيرن» أن الناقد يملك الأدوات اللازمة لوضع هذه الأعمال العظيمة ضمن سياقاتها الأوسع، وبالتالي يوضح للجماهير دور الأدب في التحولات الاجتماعية الكبرى. ويرى ناقد آخر مشارك في التحقيق اسمه «بانكاي ميشرا» أن بقاء الناقد قريبًا من النسيج التاريخـ اجتماعي، ومن التجربة الجمالية، على حد سواء هو الحل ربما لتجنب العزلة الفكرية، وبالتالي الأسى الذاتي.

يحتاج الجمهور للناقد، لكن ليس بالضرورة أن يكون في مقدمتهم، أو مطلًا عليهم من شرفته.. هم يحتاجونه بينهم.. ضمنهم.. ليكسب ثقتهم، ويؤثث لنفسه زاوية تليق به بينهم.. في أي نافذة تكنولوجية كانت، وضمن كل نشاط واقعي كان أو افتراضي. ويحتاج الناقد للجمهور ليعترفوا له بحيازة المنهج.. باللغة الرصينة.. وبالأفق المعرفي.

في عالم كرة القدم اليوم.. يكاد ينسى العالم الخطة الشهيرة 4-4-2.. لصالح الخطة الأشهر حاليًا: 4-5-1، وهي في الحقيقة ليست 4-5-1، بل: 4-3-2-1، أو 4-2-3-1، أو 4-1-4-1.. هذا الواحد الذي يتردد بين الدفاع والوسط والهجوم، هو الجندي المجهول.. هو الناقد المسكين، في ملعب ما بعد الحداثة الذي يغص بالجماهير.