أحسد هؤلاء البناة العظام، على مساحة الأمل المشرعة لديهم، ولا أعرف من أي وعاء يغترفون هذا اليقين، في السلامة، وفي السلام، رغم كل ما يجري في المنطقة، التي تتمدد بطول الخارطة وعرضها، فوق طاولة التشريح، والتقسيم والتفتيت.

لا تفسير موضوعياً ولا منطقياً ولا حسابياً، لحركة النهضة العمرانية الهائلة في بعض المدن العربية، فيما تتعرض مدن عربية أخرى لعمليات هدم ممنهجة، سوى أن لدى من يواصلون البناء يقيناً يصون آمالهم في البقاء، وفي الارتقاء، أو أن بعضهم يرى عمليات الهدم الممنهجة في محيطه الإقليمي، وكأنه الهدم الذي يسبق بالضرورة إعادة البناء.أو أن ثمة احتمالاً ثالثاً، لا أفضله، لكنني لا أملك ترف استبعاده، وهو أن يكون أغلب الأطراف في الإقليم قد بلغوا مستوى من اليأس المريح، فاستراحوا إلى أن «لا شأن لنا بما يجري في الجوار مادامت رؤوسنا ما تزال فوق أعناقنا».

يدخل الصراع في ليبيا وسوريا طوراً جديداً، تشير مقدماته، إلى أن الاستقرار ما زال بعيداً، وأن التفاعلات بالقوة ما تزال جارية، بل إن خارطة الصراع ذاتها ربما تتغير بين يوم وآخر. ما يرشح المنطقة لأعوام مقبلة من عدم الاستقرار.

قراء خرائط الصراع في المنطقة، باتوا جزءاً من المشكلة، عوضاً عن أن يكونوا جزءاً من الحل، فالصراع الإقليمي متنوع المفردات، ومتعدد الوجوه والهويات، يراه البعض صراعاً طائفياً، يجري فيه توظيف الطائفة كوقود لاستدامة صراع حول الهيمنة على الإقليم، ويراه البعض الآخر صراعاً بين الاستبداد بدعوى احتكار القوة وبين الاستبداد بدعوى احتكار الحقيقة، ويراه بعض ثالث صراعاً بين أفكار العصور الوسطى وبين أفكار القرن الحادي والعشرين، لكن كبار العالم يرونه صراعاً حول اعادة تقسيم ثروات وأسواق ومناطق نفوذ، في إقليم الشرق الأوسط الكبير، بكل تنوعه وتعقيداته.

تقول حركة البناء والعمران المستمرة في بعض دول الاقليم، أن ثمة آمالاً عظيمة لدى بعض سكانه، فيما تقول أكبر حركة نزوح شهدتها المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية، انه لا أمل، لكنني أعتقد، أن من يواصلون البناء يراهنون على أن الارث الثقافي الكبير للإقليم يزود شعوبه برهانات البقاء رغم القصف وبعده، وأن من يغادرون الأوطان بحثاً عن ملاذ آمن تحت أي سماء، يفتشون عن بداية جديدة ومستقر جديد، ولا يرومون العودة يوماً إلى أوطانهم.

وقد تحدثت طويلاً، إلى سوريين نزحوا خارج بلادهم، وحاولت بث الأمل لديهم في العودة، لكن أغلبهم بدا راضياً عن وضعه الجديد، أو يائساً من إمكانية أن يستطيع الجيل الذي نزح أو لجأ العودة مجدداً إلى وطنه.

عملية إعادة صياغة خارطة المنطقة، ما تزال في أفران الصهر، وقد استمدت من سياسة دونالد ترامب في الولايات المتحدة، مدداً جديداً، يوشك أن يعيدها عامين على الأقل إلى الوراء، ما يعني أن على الأطراف الإقليمية، التي كانت قد استخرجت حاسباتها الإلكترونية من جيوبها، وراحت تحصي مكاسبها المُحتملة، أن تعيد الحاسبات مجدداً إلى الجيوب، فقد تم تأجيل حفل اقتسام الغنائم، فيما يجري صهر خارطة الإقليم في أفران الكبار.

أخطر ما ينبغي أن نخشاه في اللحظة الراهنة،هو أن تجري في غيابنا عملية إعادة رسم خارطة الإقليم، وأكثر ما ينبغي أن نحرص عليه، هو أن نكون حاضرين مؤثرين في لحظة اقتسام الغنائم وتوزيع المسؤوليات، فمن سيغيب عن تلك اللحظة، قد يمتد غيابه قرناً كاملاً، تتبدل فيه حقائق القوة وحساباتها، وتتأثر معها وبها حياة شعوب بأكملها، ومن سيحضر، سيؤمن لشعبه مكاناً ومكانة تحت شمس إقليم، طال شوقه إلى الاستقرار، وطال غيابه عن منصات التتويج.

في اللحظة الراهنة، لا تملك دول الفعل في المنطقة العربية، ترف الانكفاء على الذات، وعليها أن تختار، بين شراكة حقيقية وفاعلة في إعادة صياغة النظام الإقليمي، أو أن تكون مجرد شاهد زور على تلك العملية، أو أن تتحول، لا قدر الله، إلى مجرد مادة أولية في عملية إعادة صياغة هذا النظام الإقليمي.

بعض الاستمرار في البناء تحت القصف، ضروري من أجل الحصول على مكان مستحق في الخارطة الجديدة للإقليم، لكن بعض أهم هذا البناء، يبقى هو بناء الإنسان الذي يصون المكتسبات أو يضيعها.

بناء الانسان يبدأ بتحرير إرادته، وتحرير الإرادة يبدأ بالمعرفة، والمعرفة سبيلها العلم.

واصلوا البناء تحت القصف، ولكن استوصوا بمدارسكم، ومعاهدكم، وجامعاتكم، خيراً، فهي حصون المستقبل، حين يجدُّ الجد، وتحين ساعة المنازلة.