قبل أن نتناول قضية نظام التعليم كقضية وطنية تقوم عليها مختلف مناحي العملية التنموية في بلادنا الحبيبة وتنطلق من خلالها كافة المخرجات التي تخدم مختلف المناحي الحياتية ،علينا أولاً أن نستشعر أن نجاح نظام التعليم في أي دولة من دول العالم سيكون له الأثر البالغ في تطور تلك الدولة وتسارع نموها الحضاري .

وبالنظر الى الواقع الذي يعيشه نظامنا التعليمي منذ نصف قرن تقريباً نجد أنه يعيش حالة من التوهان الذي أفرزته عدة قضايا منها فشل الكثير من التجارب التي طبقت على ميدانه التي أراها - أي تلك التجارب - ناجحة في مكوناتها لكن عند تطبيقها عندنا فشلت فشلاً ذريعاً، ويقيني الذي استمددته من خبرتي الطويلة في هذا الميدان أن السبب في ذلك الفشل هو عدم ملاءمة البيئة التعليمية التي طبق عليها مع مكونات تلك التجربة حيث إن الأنظمة واللوائح التي يستمد التعليم منها قوته متقادمة ولاتساير التطور العالمي ،كما وأن أغلب الإدارات على مختلف المستويات لم تستوعب تلك التجارب أو أنها كانت ترفضها لأسباب مختلفة منها الاجتماعي ومنها الشرعي ،ومن الأسباب أيضاً ضحالة الخبرة وضيق دائرة التجربة لتلك الإدارات وحتى الكوادر التعليمية ،ومن الأسباب التي كانت أشد أثراً هي كثافة التدخلات من خارج إطار المؤسسة التعليمية التي كانت ترفض كل جديد وتحاربه بكل ما أوتيت من قوة ،ومن الأسباب الهامة هو تدني المخرجات التي كان سببها تدني مستوى المدخلات من مناهج وتجهيزات وبرامج وأنشطة التي كان همها الأول والأخير الحفظ والتلقين وتأدية الامتحان واستلام وثيقة التخرج أما الاهتمام بالفكر والتطبيق والبحث والتقصي فكانت أبعد مايكون عن ذلك ،وكان من ضمن تلك المخرجات الضعيفة علمياً وتطبيقياً الكوادر التعليمية كما وأن المباني المدرسية التي كان يفترض أن تكون محاضن لتحفيز الفكر والإبداع كانت تشبه السجون في مكوناتها وأدواتها وآلياتها ،وهكذا تسارعت السنون ونحن نجرب ونفشل ثم نجرب ونفشل دون البحث عن الأسباب الحقيقية لذلك الفشل ومعالجتها عملياً .

ثم جاءت بعد ذلك مرحلة محاولة الإصلاح الشامل لهذا النظام التي أمر بها المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبد العزيز فدفع بالميزانيات المضاعفة لكن للأسف استهلك جل تلك المبالغ من قبل بعض القيادات في التلميع الوهمي والبذخ غير المبرر من خلال الكثير من الشعارات التي كانت تطلق بين حين وآخر تحت مسميات فضفاضة لكنها خاوية أشبهها بالمصابيح المقلدة التي نعجب بضوئها لكنها ما تلبث أن تحترق ويذهب نورها لكن بعد استنزاف الكثير من المال وتناسى أصحاب تلك الشعارات الأسباب والعوائق الحقيقية التي كان المستوجب معالجتها منذ زمن والتي أدت الى ذلك الفشل فكانت النتيجة أن عشنا جميعاً حالة الوهم .

إن الحال لن يتغير إذا لم تحل تلك القضايا سالفة الذكر ولم يقم نظامنا التعليمي على العمل المؤسسي الجاد ولم تستبعد تلك القيادات التقليدية بقيادة الفكر والتجديد الحازمة في فرض الكثير من العمليات التعليمية التربوية المسايرة للتطور العالمي ،والله من وراء القصد.