هو سؤال جاء على شكل مبادرة، أطلقتها إمارة منطقة مكَّة المكرَّمة، كان هذا شعارها، حيث نظَّمت الإدارة العامَّة للتدريب الأهلي بمحافظة جدَّة دورةً تدريبيَّةً بعنوان «كوني قدوة واصنعي التغيير»، بإشرافٍ من المؤسَّسة العامَّة للتدريب التقني والمهني، واستهدفت فيها المدارس والمعاهد، وكان لي شرف المشاركة في أحد لقاءاتها، حين كان المكان مكتظًّا بشابات يافعات متشبعات بأفكار التنشئة، يتلقين المعارف بصمت.

ولهذا تبقى الإجابة عن هذا السؤال العريض والمفتوح -في ظنِّي- تتكئُ على أنَّنا نحتاج استثمار هذه البذور التي غرست، فالقدوة تحتاج وقتًا لنجني حصادها، ويبدأ ذلك من التنشئة والمنشآت التعليميَّة، وليس التلقين في الغرف والصالات المغلقة؛ لأنَّه لا قيمة له ولا تأثير لاجتثاث ما علق في أذهان أبنائنا وبناتنا من شوائب ومتغيِّرات فرضتها تعاقب الأجيال، وتغيّرات المجتمع، فكيف في ساعات بإمكاننا أن نغيِّر موروث ثلاثة عقود من الشحن والتوجيه!

لذلك تبقى الميادين العمليَّة للارتقاء بالقدوة هي ميادين الإعلام والتربية والمكتبات، ووسائل الفنون والثقافة.

حرَّم المتشدِّدون علينا ثقافة الفرح، وزرعوا ثقافة الموت والقبر، ودورات الكفن، وغسيل الموتى، فبات أبناؤنا حافظين مردِّدين لأناشيد الموت، يعدونهم بالحور العين؛ لدغدغة عواطفهم الفطريَّة، تنازلنا لهم عن مصروف الفسحة المدرسيَّة، فركب بعضهم بها أجمل السيَّارات، ولبسوا أغلى البشوت، وتبخروا بأغلى الخشب.

مجتمع التحريم والتزمت ضيَّق علينا الحياة، حيث أفزعونا في الأماكن العامَّة، شاهدتهم يكسرون آلة العود لابن أخي سلطان على رصيف الشارع، في مصيف الهدا، عندما لجأ لتلك المدينة للترفيه مع بعض الأصدقاء.

اختلطت الأماكن بأمكنة وأزمنة تداخلت في أزمنة، وعن أحداث أعقبتها أحداث كلها في مجملها انتهت إلى الشتات، وتقديم الموت على الحياة.. وقد خلق الله الإنسان لإعمار الأرض لا لتخريبها، والتضييق فيها من أجل الموت.