في جزيرة «دارين»، ينفضُ اللؤلؤ بدنه، فتعبق حضارة عمر مديد، وأغنيات نوارس لا تحطُّ إلاَّ لتحمل حقائب المترعين بالنشوة والأمل.. أمل البِحارِ في زرقة الأفق، وألمها المخبوء في طين العمق.. لذلك كان لملتقى دارين الثقافيِّ الثاني أن يغتسلَ بالبريق على ضفاف الخليج، بانتظار ضيوفه الذين حضروا من أقطار العالم، ليردُّوا التحيَّة للنوارس، ويرسموا من زرقة البحر أمواجًا من فكرٍ نيِّرٍ.

انتهى ملتقى دارين الثقافيّ، بتنظيمٍ من نادي المنطقة الشرقيَّة الأدبي، كما بدأ أنيقًا ورشيقًا.. ولعلَّه حمل ذلك من روح المشرف العام عليه، الشفَّافة خُلقًا وعملاً.. كان الأستاذ محمد بودي، رئيس النادي، حاضرًا في كلِّ التفاصيل برشاقةٍ عجيبةٍ، وحين وصفتُه خلال مشاركتي هَمْهَمَ بعضُ الحضور.. لكنَّ أحدًا لم يعترضْ، إذْ لمحوا «بودي» يفتتحُ اللقاء، ويرأسُ الجلسة، ويُحيِّي الضيوف ويُكرِّمهم، ويُتابعُ سير الجلسات، ويُناقشُ موظَّفي الفندق حول مشكلةٍ تقنيَّةٍ، ويتمشَّى مع أستاذٍ كبيرٍ -في العمر والقدر- بين أرجاء المعرض المصاحب، ويوزِّعُ الأدوار بين فريق عمل من شبابٍ واعدٍ طموحٍ. ومع كلِّ هذا كان لدى «بودي» الوقتُ دومًا ليُحدِّثني عن أسرار «دارين» وأساطيرها، وليذهبَ مع آخر لمجاملةِ ضيفٍ، أو تحيَّةِ زائرٍ.

كانت هذه روح الملتقى، الذي ناقش دورَ المؤسَّسات الثقافيَّة الأهليَّة والخاصَّة. وكان لكلٍّ أنْ يقولَ رأيَه مهما كان دون تردُّدٍ؛ كان صاحبُ المؤسَّسة يُقدِّم شهادةً عن مؤسَّسته، ويُقدِّم باحثٌ عنهَا ورقةً علميَّةً، فيعترضُ مشاركٌ على تسميتها بالمؤسَّسات، ويحذِّرُ آخر من محاولةِ تقنينها، ووضعها تحت مظلَّةٍ رسميَّةٍ. وكان آخرون يُقارنون عملَ المجالس والصوالين بالأندية الأدبيَّة الرسميَّة: بعضهم يراها مكمِّلةً للأندية، وبعضهم يراها أفضلَ من الأنديةِ، وبعضهم يُهاجمُ الأنديةَ، وأمامه يصطفُ رؤساءُ الأنديةِ الأدبيَّة مبتسمين، واللهُ يعلمُ ما تخفي الصدور.. وكان هناك -دومًا- نبيل زارع مشاكسًا كعادته بأسئلته ودفاعه عن النادي الأدبي، وتصيّده للضيوف في باحات الفندق ومضايقه.

كان الضيوفُ من السعودية، ومن قطر، والإمارات، والبحرين، وتونس، والمغرب، ومصر، والسنغال، وماليزيا، وطاجيكستان، واليابان، وغيرها.. فُقدتْ ورقة الأكاديمي الماليزي مجدي إبراهيم، فأذهل الحضور بفصاحته مرتجلاً، ورفضَ عبدالرحمن موكلي بتواضعٍ الحديثَ عن دور خميسيَّته في جازان، فحاز جائزة أقصر المشاركات (وربما أبلغها)، وتحدَّث الإعلاميُّ السنغاليُّ فاضل غيي بامتنانٍ عن دور المملكة في نشر العربيَّة في السنغال، ودعم نادي داكار الأدبي، واختار السعوديُّ سعد الرفاعي أنْ يتحدَّثَ عن مؤسَّسات الإمارات، وعن الماجد الذي أحال قطعة من الصحراء إلى واحةٍ ثقافيَّةٍ غنَّاء، ورجَتْ اليابانيَّةُ كوادا نوكو أنْ تحافظَ المملكةُ على تراثها وأصالتها، وعلى تقاليدها متنوِّعة المنابع، فيما أهدى يوسف العارف، ورقتَهُ لصاحبِ أسبوعيَّةِ عبدالمحسن القحطاني؛ شكرًا وعرفانًا.

في ختام الملتقى، همسَ لي «بودي» أنَّه تعمَّد أنْ يخرج الملتقى في صورة لقاءٍ فكريٍّ مفتوح، يُظهر الضيوف نجومًا.. قال لي: ضيوفُ الثقافةِ محتشدون بالمعرفة وبالمضامين العميقة، لذلك لا يهتمُّون بالشكليَّات كثيرًا.. من هنا حرصنا أنْ نهتمَّ بهذا الجانب، وكان الرأيُ أنْ يكونَ تصميم الجلسات بهذه الطريقة -غير المعهودة في مثل هذه اللقاءات- تكريمًا للمثقَّفين، وتكريمًا للثقافة التي تُحلِّق بهم، ويُحلِّقون بها.. تمامًا كما يفعل بريقُ «دارين» ولؤلؤها.. إذ يُحلِّقُ في الآفاقِ.