جلستُ على مقعدي بكلِّ هدوءٍ، أنصتُ إلى رنين الجوَّال.. بعد الرنَّة الرابعة، جاءني صوتُها متعبًا كأنَّهُ حطامُ نايٍ حزين، أتى لينبش أعماقي.. وبعد الـ(ألو) الأولى جاءت الثانية.. وبعدها بادرتني: (أغلقنا صالون التجميل)، ثمَّ ولجت في تفاصيل صغيرة في أسباب انهيار المشروع، حديث طويل بثَّ فيَّ القلق والاضطراب، والخوف والإحباط، الذي اعترى تلك الفتاة الطموحة.. كان حديثها هديرًا متكسِّرًا حتَّى آخر حدود الموج، وهو ينتحر على صخرة لا تتزحزح.. كان الحزن يقطن كهف أعماقها، والآلام تعصر جوانحها، وصوتها يخترق أعماقي كورقةٍ سُرق منها لونها.. قالت لي -وهي تتنهد- فشل المشروع، بعد أن اختطف ستة عشر عامًا من عمري، ومعه تبخّرت كل أمنياتي وأحلامي.

الإعصار المالي.. سرق سعادتي وطمأنينتي.. قالتها مثل الظل المترنِّح.. كان ذلك اعترافًا بحقيقة موت المشروعات الصغيرة الذي عصف -ومازال- يعصف بكلِّ أولئك الذين اختطُّوا حياتهم عليها.

كنت أتنهد بحزن مكتوم، وأنا أستمع إلى جيهان، تباينت الأسبابُ والحيثياتُ في عقلي.. حاولتُ أن أمنحها القوة والعزيمة؛ كي أعيدَ الثقة لها.

ظلّت تتحدَّث معي، وتلومني، وتقول: كنت تعتلين المنصَّات، وتتحدَّثين عن العمل الحر، والتخلِّي عن الوظيفة، وتدَّعين دائمًا وأبدًا بأنَّ العمل الحر هو أهم السبل للقضاء على البطالة.. قلتُ لها: نعم.. لكنَّ الإعصار المالي لم نتوقَّعه، ولا حيلة لأحد فيه.

بعد كل ما طرحته لكم عن فشل مشروع جيهان.. ما عليك يا جيهان، سوى أن تتَّجهي اليوم إلى مشروع آخر، ومحاولة أخرى، وأن تلقي بدلوك، وتهزيه مرَّات حتَّى تنجحي.. لأنَّ الناجحين في الحياة يسهرون دائمًا جوارها لتستمر الحياة.