تفاوتتْ ردودُ الفعلِ الرسميَّةُ والإعلاميَّةُ والشعبيَّةُ على الاستفتاءِ التركيِّ الأخيرِ، الذِي تضمَّنَ العديدَ مِن النِّقاطِ الدستوريَّةِ المزمعِ تعديلُهَا علَى الدستورِ التركيِّ، والتِي من أهمِّهَا تحوُّلُ نظامِ الحُكمِ فِي الجمهوريَّةِ التركيَّةِ من النِّظامِ الانتخابيِّ (رئاسةِ حكومةٍ)، إلى النِّظامِ الرئاسيِّ، (سلطاتٍ رئاسيَّةٍ).

الولاياتُ المتَّحدةُ، والسعوديَّةُ، وروسيا، وكثيرٌ من دولِ العالمِ، رحَّبتْ بنتائجِ الاستفتاءِ، وهنَّأتِ الرئيسَ التركيَّ الطيب رجب أردوغان، بينمَا انتقدَ الأوروبيُّونَ الاستفتاءَ؛ لأنَّهُ بحسبِ رؤيتِهم: «أنَّ المعاييرَ الأوروبيَّةَ لمْ تتحقَّق في الاستفتاءِ»..! هذِه الردودُ طبيعيَّةٌ ومفهومةٌ، وقابلةُ التَّفسيرِ، فمَن يرَى أنَّ الاستفتاءَ يزيدُ من صلاحيَّةِ أرودغان، ويُحوِّلُه إلى «سلطانٍ» جديدٍ، ينطلقُ من معارضةٍ لحزبِ العدالةِ والتنميةِ. غيرَ أنَّ عددًا من وسائلِ الإعلامِ العالميَّةِ، ومنها العربيَّةُ اشتطَّتْ في تغطياتِها للاستفتاءِ، وبالغتْ في وصفِ نتائجِهِ بصورةٍ تُوحي بسلبيَّتِهِ ومعارضتِهِ لروحِ الديمقراطيَّةِ. فتحتَ عناوينَ كثيرةٍ وبارزةٍ في صدرِ صفحاتِها الأولَى ونشراتِهَا الإخباريَّةِ، وصفتْ تلكَ الوسائلُ نتائجَ الاستفتاءِ بأنَّهُ يومُ «دفنِ جمهوريَّةِ أتاتورك العلمانيَّةِ»، وبأنَّ «جمهوريَّةَ أتاتورك تحتَ عباءةِ أردوغان».

في تجرُّدٍ وحياديَّةٍ كاملَينِ، يتَّضحُ أنَّ ردودَ الفعلِ لم تخرجْ عن كونها: إمَّا مؤيِّدةً عمياءَ، انطلاقًا من إسلاميَّةِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ، الذي ينتمِي إليهِ أردوغان، أو معارضِةً متطرِّفةً لمجرِّدِ التوجُّهاتِ الإسلاميَّةِ لأردوغان وحزبِهِ. وكلا الرأيَينِ بكلِّ أسفٍ يبتعدُ عن الدقَّةِ، إمَّا لجهلٍ معرفيٍّ كاملٍ بماهيَّةِ الجمهوريَّةِ التِي أقامَهَا كمالُ أتاتورك، وإمَّا للأجندةِ الذاتيَّةِ التِي تُحرِفُ الرؤيةَ عن الحقيقةِ.

مَن يتتبَّع التاريخَ، وأنَا أستاذُ تاريخٍ في جامعةِ الملكِ عبدالعزيز، يُدركْ أنَّ الجمهوريَّةَ التِي أقامَهَا أتاتورك بعدَ إلغائِهِ السلطنةَ العلمانيَّةَ في عامِ 1923م، وتحتَ شعارِ العلمانيَّةِ، لمْ تكنْ جمهوريَّةً ديمقراطيَّةً يتمتَّعُ فيهَا الشعبُ بكاملِ حقوقِهِ، كمَا يحاولُ المعارضُونَ لحزبِ العدالةِ والتنميةِ تصويرَهَا، بلْ كانتْ جمهوريَّةً استبداديَّةً، الرئيسُ فيهَا مطلقُ الصلاحيَّاتِ، وبلا حدودٍ، وتحتَ رعايةِ وعهدةِ العسكرِ، ومَن يخرجْ عنْ المسارِ الذِي وضعَهُ أتاتورك في المطالبةِ بحقوقِهِ، مثل الانتخاباتِ وإنشاءِ المدارسِ الدينيَّةِ، وارتداءِ الحجابِ، والتحدُّثِ باللغةِ الكرديَّةِ، فليسَ لهُ سوَى الموتِ، وتحديدًا القتل شنقًا، ومَن تجرَّأ من السياسيِّينَ وطالبَ بتخفيفِ بعضِ عقوباتِ ومحظوراتِ الدستورِ، كمَا حدثَ معَ عدنان مندريس، فليسَ لهُ سوَى الموتِ شنقًا، أو السجنِ المؤبَّدِ، وإنهاءِ حياتِهِ السياسيَّةِ. هذَا إضافةً إلى انتشارِ الفسادِ بحيثُ تحوَّلت السجونُ إلى مقابرَ مرعبةً صوَّرتهَا كثيرٌ من الأفلامِ الوثائقيَّةِ، ناهيكَ عن اقتصادٍ منهارٍ، وعملةٍ متدنِّيةٍ إلى مستوياتٍ مخجلةٍ. كمَا أنَّ الجمهوريَّة كانتْ تحتَ حمايةِ العسكرِ، ولأكثرِ من ثلاثِ مرَّاتٍ حدثتْ انقلاباتٌ عسكريَّةٌ، أخضعتْ تركيا لقوانينَ عرفيَّةٍ صارمةٍ، عانَى منهَا الشعبُ التركيُّ كثيرًا.

هذِه الصورةُ القاتمةُ، والحقائقُ الوافيةُ تغيَّرتْ منذُ عامِ 2002م، عندمَا تولَّى حزبُ العدالةِ والتنميةِ الحُكمَ، فأصبحتْ تركيَا دولةً ديمقراطيَّةً حقيقيَّةً، ومارسَ الشعبُ حريَّتَهُ في الاختيارِ السياسيِّ والاجتماعيِّ، وازدهرَ الاقتصادُ، وانتعشت العملةُ، فأصبحت الجمهوريَّةُ التركيَّةُ من أقوى اقتصاديَّاتِ العالمِ، ولمْ يُغيِّر الحزبُ إطلاقًا من علمانيَّةِ الدولةِ، وحتَّى في الاستفتاءِ الأخيرِ، فمَا تمَّ في أحدِ بنودِهِ بالتحوُّلِ إلى النِّظامِ الرئاسيِّ في الحُكم، إنَّمَا هُو واحدٌ من الممارساتِ التِي تشهدُهَا كثيرٌ من الدُّولِ الديمقراطيَّةِ، وفِي مقدمتِهَا الولاياتُ المتَّحدةُ الأمريكيَّةُ، وفرنسا.

الحياديَّةُ تتطلَّبُ صدقَ النَّوايَا في محاكمةِ الأشياءِ، ففي استفتاءِ الأحدِ في تركيَا، والذِي شاركَ فيهِ أكثرُ من 80% من الشعبِ، قال 51.4%: نعم، و48.6%: لا، وهي نسبٌ تتَّسقُ مع روحِ الديمقراطيَّةِ، وتفرضُ أنْ يتعاملَ معهَا العالمُ بكاملِ الحياديَّةِ ويحترمُهَا؛ لأنَّها اختيارٌ شعبيٌّ حرٌّ، سواءً كُنَّا مع حزبِ الدولةِ وأردوغان، أو ضدّه.