في

السياسة لا أحد يحارب معارك أحد، حيث كافة الأطراف الرشيدة تخوض معاركها لحساب مصالحها، أو تنخرط في معارك الآخرين بمقدار ما يخدم هذا الانخراط النشط أو الخامل مصالح هذه الدولة أو تلك .

أكثرما يميز المرحلة الراهنة من الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط، هو هذا المستوى من الانكشاف القسري، والصراحة الجبرية، لدى غالبية الأطراف، رغم أن الطابع الغالب للصراع هو أن أحد طرفيه في معظم الأحوال هو عدو غير مرئي، كتنظيم سري أو جماعة إرهابية، يتمركز أغلبها في عقول أعضائه وناشطيه .

أخطرما يميز الصراع الدائر الآن في منطقة الشرق الأوسط الكبير ( مابين السنغال وباكستان طبقاً للتعريف الأمريكي ) هوأن أحد طرفيه غالباً تنظيم أو حركة او جماعة (non state actor) مايزيد من تعقيدات هذا الصراع، ويستدرج البعض الى غواية الانخراط غير المباشر في بعض الصراعات، باعتباره أقل كلفة وأعلى تأثيراً من الانخراط المباشر .

غوايةالانخراط غير المباشر في الصراعات الدولية التي تبدو أحياناً أكبر بكثير من قدرة الأطراف المحلية على التنبؤ بمداها الزمني أو امتدادها الجغرافي أو عمقها الإستراتيجي، هي إذن أحد عوامل الصراع في منطقة الشرق الأوسط الكبير، وهي أيضا أحد الأسباب وراء صعوبة تحقيق انتصار حاسم في الحرب على الإرهاب طبقاً لتقديرات خبراء أمريكيين، قدموا نصائحهم ، كالعادة، للإدارة الامريكية الجديدة، وطرحوا أفكارهم على البنتاجون، قبيل أيام فقط من جولة مهمة في المنطقة، لوزير الدفاع الأمريكي ماتيس .

كسبالحرب على الإرهاب، يقتضي فهمًا أعمق لطبيعة العدو (non state actor) وإدراكاًمبكراً لمكوناته، والقوى المحركة له، ودوافعها، وسبل المواجهة معها .

فيالتصور الأمريكي للحرب على الإرهاب، فان المواجهة تشتمل على ثلاث جبهات أساسية، إحداها في الدولة التي اتخذها الإرهاب مسرحاً لعملياته ( العراق،سوريا، اليمن مثلاً ) والثانيةضد التنظيم أو المجموعة الإرهابية ذاتها، والثالثة مع القوى الداعمة لتلك الحركات أو التنظيمات الى المستفيدة منها مثل ( روسيا،إيران ).

طبقاًللتقديرات الأمريكية - وفيبعضها وجاهة ظاهرة - فإنإحراز انتصار استراتيجي ونهائي في الحرب على الإرهاب، يبدو هدفاً بعيد المنال أو غير واقعي، في ضوء المعطيات الراهنة، حيث من الممكن دائماً إحراز انتصارات تكتيكية في معارك مع الإرهاب، بينما لا يمكن الادعاء بالقدرة على الاستئصال النهائي للإرهاب دون خوض حرب طويلة مع دوافعه، تشتمل على تدمير أو تقويض البيئة الحاضنة أو الأفكار المنتجة له، ولهذا ينصح أنتوني كوردسمان الخبير بمركز الدراسات الإستراتيجية، ادارة ترامب بتوخي الحذر، وبخوض الصراع على جبهاته الثلاث، ضد الجماعات الإرهابية ذاتها، من الجو أو من البحر دون اشتباك مباشر بجنود أمريكيين على الأرض .

وبتقديمالتدريب والتسليح ومعلومات الاستطلاع الفضائي والجوي للدول التي تخوض صراعاً مباشرا مع الإرهاب، وأخيراً بتحفيز حلفاء أمريكا الذين يخوضون الحرب ضد الإرهاب فوق أراضيهم أو في الجوار القريب، على اجراء إصلاحات سياسية واقتصادية وتبني سياسات اجتماعية وتنموية تسهم في تعزيز مناعة تلك الدول ضد أفكار الإرهاب وضد جماعاته .

علىالأرض، يريد البنتاجون من حلفائه إنشاء وتطوير جيوش مهمتها الاساسية الحرب ضد الإرهاب، وهي مهمة تختلف بشكل ملموس عن مهام الجيوش النظامية التقليدية التي يجري إعدادها لخوض حروب ضد عدو معلوم في مسرح عمليات محدد، يعمل تحت سقف القانون الدولي ويتقيد به الى حد ما، وعلى الأرض أيضاً، لا تستطيع الدول المستهدفة بالإرهاب أن تتخلى عن جيوشها التقليدية، لأن ثمة تحديات تقليدية غير منظورة، هي بالانتظار في مكان ما وفي زمان ما، قد لا يكون مرئياً أو منظوراً في الوقت الراهن .

النصائحالتي تلقاها البنتاجون، واطلع عليها البيت الابيض، وأبدى خبراؤه ميلاً الى تبنيها، تتحدث عن مواجهة طويلة جداً مع الإرهاب، وعن انتصارات في معارك تكتيكية قد تستغرق سنوات، وليس عن نصر حاسم ينهي تلك الحروب دفعة واحدة، ما يرشح المنطقة للمزيد من الإنهاك العسكري والاستنزاف المالي والاقتصادي والاجتماعي .

العالم يتغير، وأدوات الصراع فيه قد تغري قوى من خارج خارطة الصراع بالدخول فيه عبر منظمات وحركات تتيح إدارتها عن بعد إمكانية التأثير في عملية جارية بالفعل لإعادة هيكلة الإقليم برمته .

لاأحد يحارب معارك أحد، لكن خطوط الصراع تتقاطع أحياناً ما قد يسمح ببناء تحالفات، بعضها قصير الأمد جداً، وبعضها طويل الأمد نسبياً، لكن لا تحالفات مطلقة في العلاقات الدولية، حيث تدور التحالفات مع المصالح وجوداً وعدماً .