لَا تُقَاسُ الكُتبُ بعَدَدِ صَفحَاتِها، فأحيَانًا يَأتي كِتَابٌ قَليلُ الصَّفحَاتِ، ولَكنَّه كَثيرُ الفَائِدَة، ومِن هَذه الكُتب، كِتَابُ «كَيفمَا فَكَّرت فَكِّر العَكس»، لصَاحبنا «بول أردن»، هَذا الكِتَابُ صَغيرُ الحَجم، لَكنَّه كَبيرُ الفَائِدَة، بَل هو كَثيرُ الصُّورِ، قَليلُ الحرُوفِ؛ لأنَّه يَعتمدُ عَلى وَميض الفِكرَة، واستغلَال عُنصر الرَّسم؛ واللَّون والدَّهشَة، فِي الفِكرَة وتَبسيطهَا، لدَرجة أنَّكَ تَجد -أحيَانًا- فِي الصَّفحَة الوَاحِدَة صُورةً لخَروفٍ، وتَحتهَا عِبَارة «لَا تَمشِ مَع القَطيع»..!

تَتلخَّصُ فِكرةُ هَذا الكِتَاب، مِن خِلال نَظريَّة صَاحبنا «بول»، الذي تَوصَّلَ إلَى أَنَّ النَّاسَ دَائِمًا يُفكِّرُونَ بطُرقٍ تَقليديَّةٍ، فإذَا أَردتَ الإبدَاعَ فَكِّر بالعَكس، وكَأنَّه يَقول: «خَالفْ تُبدعْ»، وكُلُّ الأفكَار الخَلاّقة وُلِدَت مِن الأفكَار التي فَكَّر بِهَا أَصحَابهَا بطَريقَةٍ غَير تَقليديَّةٍ، فبَدل أَن تَذهب إلَى المَطعم، لِمَ لَا تَجعل المَطعم يَأتي إليك؟!

أكثَر مِن ذَلك، يَقول: إذَا كُنتَ تَسبَحُ فِي النَّهر عَاريًا وخَرجتَ، وصَادف خرُوجك مرُور النَّاس، فإنَّ الأَغلبيَّة مِن النَّاس يُفكِّرُون بطَريقةٍ تَقليديَّةٍ، ويُغطُّون عَورتهم، ولَكنَّ صَاحبنا «بول» فَكَّر بطَريقةٍ مُختَلفَةٍ، فقَال: حَاول أَنْ تُغطِّي وَجهك..!

ومِن الأمثِلَة التي أُفكِّر بِهَا بالعَكس دَائِمًا -عَلى طَريقة الكِتَاب- أَنَّ النَّاس غَالبًا يَذهبُونَ إلَى «غوغل»، ليَروا أَكثَر المَواد مُشَاهدةً، أمَّا أَنَا فأبحَثُ عَن الأَقَل مُشَاهدةً..!

ولَعلَّ مِن أَوائِل الذين فَكَّرُوا بطَريقَةٍ غَير تَقليديَّةٍ، الصَّحَابيَّ الجَليلَ «حذيفة بن اليمان»، حِين قَال: (كَانَ النَّاسُ يَسألُونَ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- عَن الخَيرِ، وكُنتُ أَسأَلُه عَن الشَّرِّ مَخَافةَ أَنْ يُدركَنِي)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: أيُّها النَّاسُ، إذَا أَردتُم الإبدَاعَ والتَّألُّقَ، والأفكَارَ الخَلَّاقَةَ، فعَليكم التَّفكير بطُرقٍ مُختَلِفَةٍ؛ لأنَّ النَّاسَ دَائِمًا يُفكِّرُونَ بطَريقةٍ تَقليديَّةٍ طَبيعيَّةٍ، ومَن يُفكِّر بغَيرِ هَذه الطَّريقَة، سيَجد النَّجَاحَ والفَلَاحَ..!!