هذه هي المرة الثانية في حياتي التي يستجيب لي فيها وزير لمطالب ذوي الإعاقة.. كنت أهيئ نفسي للبيروقراطية (حيث خطابنا وخطابكم) وغيرها من التفاصيل المكتبية التي تستدعي غالبًا أن يحال الخطاب إلى لجنة، واللجنة تنبثق عنها لجنة.. ويقطع بالتالي سيف الوقت حينها كل فكرة تتخلق أو حلم ينمو..

أصدقكم كان التفكير في ذلك الخطاب مؤلمًا للعقل والقلب.. ولكن يبدو أننا بالفعل إزاء مرحلة جديدة لها رجالها الذين يسابقون الزمن (رؤية) والحياة عملا، فبعد تسعة أيام من تعيينه وزيرًا للإعلام وجه معالي الدكتور عواد العواد ببث لغة الإشارة للمعاق السمعي بقوله لي مباشرة (الصم لهم حق علينا.. وسنشرع بهذا فورًا) فاستجمعت مشاعري وقلت له شكراً.

سألني الأسئلة التي عهدتها عن لغة الإشارة العربية.. فبقيت لبرهة من الزمن ملجومة بالصمت أتأمل الأضواء من شرفة الفندق في مدينة «تبليسي» في جورجيا.. أعاود تركيب الأحلام القديمة التي طالبت بها ثلاثة وزراء إعلام سابقين، وفي كل مرة أتواصل وأجاهد بالقول: إن الصم يحتاجون أخبارنا المحلية والعالمية ولم يستجيبوا للأسف الشديد في مناسبات عدة لكنني هذه المرة لمست بوضوح الإيمان بأهمية الأمر والشروع في تنفيذه مباشرة.

وقبل أن أصل إلى مدينتي جدة انشغلت في أعمال مؤجلة وأعمال قادمة.. كانت (جدة) كعادتها في معظم الأيام بسماء تكتسي بكل الألوان حيث كانت ممطرة يومها.. وكلما أمطرت جدة تنازعها الخوف والفرح معًا... في اليوم التالي صحوت مثل دودة مهروسة من رحلة طويلة.. انشغلت بالهاتف أتصفح مقابلة صاحب السمو الملكي ولي ولي العهد محمد بن سلمان.. بعد أن مضى جزء من الصباح جاءنى صوت اتجهت بعيني لمصدر المتصل وكان المتصل من وزارة الإعلام والثقافة.. رددت على المتصل.. أود أن أسألك مليون سؤال عن بث لغة الإشارة في النشرة الإخبارية بالقناة السعودية.. كان الفرح في كل مكان.. سألته عن الترجمة لغة الإشارة.. كان أخونا طلعت حافظ كلامه مليئًا بالثقة وبكل شيء حسن وإيجابي.. نعم مسؤولون أبصارهم دائماً تتجه إلى الأمام نحو ضوء السماء الساطع الجميل الصافي يسيرون في خطوات واسعة.. كل الكلمات الوقتية.. والهمهمات المرحلية لا تهمهم.. لأنهم يعملون من أجل الوطن.. ما زال بعض المسؤولين ينحنون كل يوم يلتقطون احتياجات البشر ليطرزوا بها جبين الشمس.. وعند المساء ينامون باطمئنان عندما يستدير القمر.